ايليا النبي

 

سامي فوزي هلسة

ايليا اسم عبري ومعناه الهي يهوه والصيغة اليونانية لهذا الإسم هي ايلياس وتستعمل غالبا ً في اللغة العربية وهو نبي عظيم عاش في المملكة الشمالية وبما أنه يدعى التشبي يرجح أنه ولد في تشبة ولكنه عاش في جلعاء وكان عادة يلبس ثوبا ً من الشعر وكان يقضي الكثير من وقته في البرية. وبما أن ايزابل ساقت زوجها الملك وشعب اسرائيل إلى عبادة البعل ( الملوك الأول 16: 29 ) فقد تنبأ ايليا بأن الله يمنع المطر عن بني اسرائيل واعتزل إلى نهر كريت وكان الغربان تعوله وتأتي إليه بالطعام ( كما نرى في إحدى أيقوناته ) " بخبز ولحم " مرتين في اليوم، وبعد أن جف النهر ذهب إلى صرفة وهناك كانت الأرملة التي أرسله الله إليها، تجمع بعض عيدان الحطب عند باب المدينة، لتعد آخر وجبة غذائية لها ولابنها. وبقي في بيت الأرملة ووفقا ً لوعد ايليا لها لم يفرغ بيتها من الدقيق والزيت طوال مدة الجفاف لأنها أطاعت أمر النبي بأن تعمل له كعكة صغيرة من هذا المخزون الضئيل الذي بقى لها، ولما مات ابن الأرملة صلى ايليا فأعاد الله الحياة إلى الصبي ( 1مل 17 : 17-24 ) . 


وفي السنة الثالثة من الجفاف قابل النبي ايليا عوبديا وكيل أخاب ملك اسرائيل وكان عوبديا مؤمنا ً بالله واتفق معه على مقابلة الملك. وكان بين من يأكلون على مائدة إيزابيل زوجة الملك 450 نبياً للبعل ، و 400 نبي لعشتاروت ، بالرغم من المجاعة القاسيـة. وبناء على اقتـراح إيليا، دعا أخآب كل هـؤلاء مع كل الشعب إلى جبل الكرمل، وحضر معه أنبياء البعل وعشتروت ليرى أيهما يرسل نار تلتهم المحرقة الرب أم البعل فصلى أنبياء البعل ولكن لم يكن من مجيب لصلاتهم ولكن لما دعا ايليا الرب استجاب له ونزلت نار من السماء التهمت المحرقة ويشير التقليد إلى أن هذه المعجزة تمت على جبل الكرمل في مكان يدعى حاليا ً المحرقة فأقر الشعب بأن الرب هو الإله الحقيقي وبناء على أمر ايليا قتل أنبياء البعل وعندئذ أعلن ايليا بأن المطر سوف ينزل، وصعـد إلى قمة الجبل وخر إلى الأرض ساجداً للرب في صلاة، وأرسل خادمه سبع مرات ليستطلع الجو عبر البحر، وأخيراً رأى غيمة صغيرة قدر كف إنسان صاعدة من البحر، وقبـل أن يعبر الملك وادي يزرعيل، هطل المطر العظيم من السماء التي تلبدت بالغيوم الداكنة بعد ثلاثة سنوات من الجفاف.. 


في تلك الليلة جاء رسول من إيزابيل إلى إيليا يحمل له رسالة : " أنت إيليا وأنا إيزابيل هكذا تفعل الآلهة وهكذا تريد إن لم اجعل نفسك كنفس واحد منهم" ( أي من أنبياء البعل المذبوحين ) " في نحو هذا الوقت غداً". فهرب إيليا فوراً طلباً للنجاة. وسار أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب الذي يدعى أيضا ً جبل سيناء وبات في مغارة هناك. وقال إيليا: "غيرة غرت للرب إله الجنود لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك فبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" محاولاً بذلك تبرير هروبه للرب. ثم هناك ( على هذا الجبل ظهر الرب لموسى سابقاً ) أتى الرب بالريح والزلزلة والنار ولم يكن الرب لا في الريح ولا في الزلزلة ولا في النار، ولكنه في النهاية تكلم إلى ايليا في صوت منخفض خفيف وهو ما اعتاد الأنبياء سماعه في قرارة نفوسهم. ثم بعث الله ايليا ليمسح ياهو ملكا ً على اسرائيل ليمحو شر بيت أخاب وعباد البعل وليمسح حزائيل ملكا ً على آرام وليمسح أليشع نبيا ً ليخلفه.


دبرت الملكة ايزابل زوجة الملك أخاب قتل نابوت اليزرعيلي ليستولي زوجها على كرمه، ولما دخل أخاب ليأخذ الكرم بعد مقتل نابوت ظلما ً وعدوانا ً قابله ايليا على غير موعد وتنبأ بالموت الشنيع الذي سيموته أخاب وزوجته ايزابل وكذلك بالقضاء التام على ذرية أخاب. وكان حاضراً في ذلك المشهد قائد يدعى ياهو ، وهو نفس الشخص الذي اختبر ليكون ملكا على إسرائيل، ولم ينس قط ما رأى وما سمع. وقد رفعت توبة أخآب عنه بعض حدود القضاء. 


ولكن أخزيا ابن أخاب وخليفته سقط عن العرش من النافذة فمرض وأرسل رسلا ً ليسألوا بعل زبوب إله عقرون عن شفائه فقابل ايليا الرسل وأرجعهم إلى الملك بدون أن يدعهم يذهبون إلى هيكل البعل غضب الملك من ايليا فأرسل ضابطا ً مع خمسين رجلا ً ليقبضوا على ايليا ولكن النبي صلى فأتت نار من السماء والتهمت الضابط والخمسين رجلا ً معه وحدث الآمر ذاته مع ضابط ثاني وخمسين رجلا ً آخرين أما الضابط الثالث الذي أرسل إليه لأخذه فإنه تضرع إلى النبي لأجل حياته وحياة رجاله الخمسين عندئذ ذهب ايليا إلى الملك أخزيا وأنبأه بأنه ما دام قد حاول أن يستشير إلها ً وثنيا ً فإنه سيموت حالا ً وهكذا حدث وتمت هذه النبوة. 


وفي نهاية أيام ايليا النبي ذهب إلى الأردن مع أليشع وضرب ايليا الأردن بردائه فانشق الماء وسار النبيان على اليابسة ثم ظهرت مركبة وفرسان نارية وحملت ايليا إلى السماء وترك ردائه لأليشع وقد وردت آخر إشارة إلى النبي ايليا في العهد القديم في سفر ملاخي النبي والتي فحواها أن الرب سيرسل ايليا النبي قبل يوم الرب العظيم . 
أما في العهد الجديد فقد وعد الملاك جبرائيل أن يوحنا المعمدان سيقدم المسيح بروح ايليا وقوته في إنجيل لوقا وفي هذا المعنى قال الرب أن ايليا قد جاء في شخص يوحنا المعمدان في إنجيل متى وفي عظة يسوع التي ألقاها في الناصرة أشار يسوع إلى إقامة ايليا في بيت أرملة صرفة في إنجيل لوقا وقد ظهر ايليا وموسى مع يسوع عند التجلي في إنجيل لوقا كذلك ويذكر يعقوب الرسول في رسالته الجامعة صلاة ايليا لأجل امتناع المطر وصلاته من أجل نزول المطر كمثال لقوة صلاة البار . 

 

خدمة إيليا : 
إن تقديرنا لأهمية خدمة إيليا يتوقف على مدى إدراكنا للأحوال التي واجهها النبي في إسرائيل. فبينما كان حكم أخآب ناجحاً بحسب الظاهر، وكان الملك نفسه على درجة من الحنكة السياسية مع شجاعة شخصيته إلا أنه في سياسته الدينية تهاون مع العقائد الباطلة والعبادات الوثنية، مما كان لابد أن يـؤدى إلى الكارثة. فمنذ أيام يشوع كانت عبادة يهوه في صراع مع عبادة الكنعانيين القديمة لقوات الطبيعة، عبادة آلهة محليين مثل " البعليم " أو " أرباب " هذه أو تلك من الأمم المجاورة الذين قامت مذابحهم على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء.


والإله الذي جاءت به إيزابيل من فينيقيـة، كان يحمل أيضاً اسم " بعل "، لكن صفاته وأساليب عبادته كانت أسـوأ وأخس من كل ما عـرف من قبل، وأدت مقاومة عبيد يهـوه لأوامر الملكة بخصـوص آلهتها المفضلـة، إلى اضطهـاد عبيد الرب الأمناء. وفى مواجهة هذا الخطر اختفت الخلافات التي كانت بين عبادة الله في المملكة الشمالية وعبادة الله كما كانت تجرى في أورشليم وكان كل مسعى إيليا، هو دعوة الشعب من عبادة آلهة الصيدونيين إلى عبادة الرب إله آبائهم. ونرى قوة القيادة الحقيقية – في وسط المحنة – في أمانة شخص مثل عوبديا أو ولاء البقية التقية رغم كل ذلك الاضطهاد. إن العمل الذي بدأه إيليا، قد ختمه ياهو بالدم، حتى إننا لم نعد نسمع بعد ذلك عن عبادة البعل في إسرائيل. وافتراض أن إيليا في حوريب عرف معنى " لطـف الله "، ليتعارض تماماً مع القرينة المباشرة ومع تاريخ عصره. وقد جاء الأمر إلى إيليا بأن يمسـح ملكاً على أرام، وآخر على إسرائيل، ونبياً ليكمل رسالته، مع الوعد بأن هؤلاء الثلاثة سيتعاونون معاً في تنفيذ القضاء الذي تستحقه مملكة إسرائيل العاصية لارتدادها عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام، ولم يكن إيليا داعياً للسلام، فلقد كانت رؤية السـلام محجوبة عن عينيه، محفوظة عن عينيه محفوظة لأنبياء سيجيئون بعده، كان عليه هو إعداد الطريق. كانت رسالته هي إبادة عبادة الأصنام بأي ثمن لئلا بيبد إسرائيل ذاته، مع احتمالات ومضاعفات يصعب تقدير مضارها، ولولا ما قـام به إيليا تحت إرشـاد الله، لما كان هنـاك أسـاس يقف عليـه عاموس وهوشع . 

شخصية النبي : 
ما دونه الكتاب عن شخصية إيليا في رسالة الرسول يعقوب ( 5 : 17 ): " كان إيليا إنسانا تحت الآلام مثلنا " ليس إلا عبارة موجزة جداً ولكن بفحص الكتب التي نشرت عن حياة إيليا، نرى أنه من الممكن أنه مخطئ في استقراء معان من الحوادث، لم تقصد إليها هذه الأحداث بل ولا تحتملها، كما أنه من الممكن أن نقحم عليها أموراً هي محض خيال. من السهل مثلا أن نرى بأن إيليا ظهر أمامنا في الكتاب بغتة، وأن أحداث ظهوره واختفائه تبدو غير متماسكة، ألا يكفى لتفسير ذلك، ملاحظة أن المؤرخ لم يقصد أن يضع سيرة كاملة لأي نبي أو أي ملك ولكنه كان يهدف إلى إبراز عمل الله في مملكتى إسرائيل ويهوذا من خلال الأنبياء؟.. لذلك لا نجد سوي بعض الأحداث فيما يختص بنبي مثل إيليا، بل إننا لا نجد شيئا بالمرة يتصل بشخصه إلا إذا كان له صلة مباشرة برسالته وقد تخيل البعض أنه كان ثمة "تدريب لإيليا" في اختبارات النبي، ولكن الإقرار بأنه لم يكن هناك بد من تلك التدريبات ليس معناه بالضرورة أن نستشفها من الحوادث والمشاهد التي تسجلت . 
واستبعاد أي محاولة لتصوير تفاصيل الحياة الداخلية لإيليا – للأسباب المذكورة آنفا- لا يمنع من محاولة دراسة ما نراه في ظاهر القصة، من الإيمان بالله بأنه إله الطبيعة وإله العهد مع الآباء ونسلهم، والغيرة الملتهبة ضد العبادة الباطلة التي أزاحت الله عن المكان الذي يجب أن يكون له وحده، والرؤية الواضحة للرياء والباطل، والحكمة العميقة في مقاومة الارتداد بنفس الشجاعة بدون النظر إلى ذاته، وكل ذلك هو ما يبرز سمات النبي الحقيقي في أي عصر . 

معجزات فى سيرة إيليا : 
يجب الاعتراف بان العنصـر المعجزي بارز في اختبارات إيليا وأعماله. ولا يمكن تقييم ذلك بالانفصال عن الموقف العام الذي يقفه الدارس من المعجزات المدونة في العهد القديم. فمحاولة تفسير أي معجزة أو أي جزء منها بطريقة عقلانية، أمر غير مجد على الإطلاق، "فغربان" إيليا ، يمكن بتغيير "الغين" إلى "عين" أن تصبح الكلمة "عربان"، ولكن مع الاعتراف بأن الشرقيين كرماء يمكن أن يأتوا بالطعام للنبي، إلا أن نغمة القصة ككل، تدل على أن الكاتب قصد "الغربان" وليس "العربان"، وأنه رأى فيها مزيداً من قدرة يهوه على كل شيء، كما يظهر ذلك أيضا في كور الدقيق وكوز الزيت، وكفايتهما للنبي وأرمله صرفة صيدا، وفى النار من السماء وشق نهر الأردن، وصعود إيليا في العاصفة إلى السماء. ويرى بعض النقاد المحدثين أن ما جاء في الإصحاح الأول من سفر الملوك الثاني، هو إضافة متأخرة، ولكن ليست ثمة مشكلة حقيقية على الإطلاق، فبإمعان النظر، تزول أي مشكلة، فالنبي الصارم الذي يأمر بذبح 450 من أنبياء البعل، يستطيع أن يطلب أن تنزل نار من السماء لتلتهم جنود ملك مرتد عن الله. إن الغرض والمعنى المقصودين من قصة حياة إيليا، يمكن أن يدركهما أولئك الذين يقبلون فكر الكاتب عن الله وقدرته وعمله في الطبيعة ومع البشر، أكثر من أولئـك الذين يحاولون استبدال هذا المفهوم بآخر . 

إيليا فى العهد الجديد : 
ظهور إيليا وموسي على جبل التجلي، نراه مدونا في إنجيل متى (17 : 1-13 ) وفى إنجيل مرقس ( 9 : 2-13 )، وفى إنجيل لوقا ( 9 : 28-36 )، ويقول الرب يسوع إن إيليا المذكور في ملاخي هو يوحنا المعمدان. ولاشك أن مصير جنود أخزيا كان في ذهن يعقوب ويوحنا حينما أرادا أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضا ( لو 9 : 54 ). ويشير المسيح نفسه إلى إيليا وذهابه إلى صرفة التي للصيدونيين ( لو 4 : 26.25 ). ويذكر بولس ما حدث من النبي في حـوريب( رو 11 : 2-4 )، وفى رسالة يعقوب نرى فيما فعله إيليا قوة فاعلية صلاة البار. 
والمجد للثالوث الأقدس أمين

طروبارية مار الياس – باللحن الرابع 
ايها الملاك بالجسم قاعدةُ الانبياءِ و ركنُهم , السابق الثاني لحضور المسيح , ايلياس المجيدُ الموقر , لقد وجهتَ النعمة من العلى لاليشعَ , ليطردَ الاسقام و يُطهرَ البرصَ , لذلك يُفيضُ الاشفية لمُكرميهِ دائماً

المصادر : 

للمزيد انظر ايضا

 http://www.kaldaya.net/2009/Articles/October/46_Oct23_09_ShamasNoriEshooaa.html
– كنيسة القديس بولس في ريزبين