الافخارستيّا بقلم: البابا يوحنا بولس الثاني

\"انقر

عرض لرسالة البابا يوحنا بولس الثاني

عن الافخارستيا (17/4/2003)

الكنيسة من الإفخارستيا
مقدّمة
1. الكنيسة من الإفخارستيا. تختصر هذه العبارة سرّ الكنيسة بأكمله. وهي تتميم، يحصُل في الفرح، لوعد المسيح: "وها أنا معكم طوال الأيام حتى انقضاء الدهر" (متى 28، 20). تعيش الكنيسة هذا الوعد في سر الإفخارستيا بشكل فريد. فمنذ أن بدأت الكنيسة مسيرتها الأرضية يوم العنصرة، ترافقها الإفخارستيا كلّ يوم وكل لحظة. وقد قال المجمع بحق إن الإفخارستيا هي "أساس الحياة المسيحية وقمّتها". فسرّ الإفخارستيا يحوي كنـز الكنيسة الروحي بأكمله، أعني يسوع المسيح نفسه، فصحَنا والخبز الحيّ الذي يمنح الحياة للعالم من خلال جسده الذي يُحييه الروح القدس. لذا تنظر الكنيسة باستمرار إلى يسوع المسيح المتواجد في القربان حيث يُظهر ملء محبته.
 
2. منحني الله النعمة لأن احتفل بالإفخارستيا، أثناء سنة اليوبيل الكبير، في عليّة صهيون في القدس، في نفس المكان الذي يقول التقليد إن السيد المسيح أسّس فيه سر القربان. هناك، أخذ المسيح خبزا في يديه وباركه وكسره وأعطاه تلاميذه قائلا: "خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يُبذل من أجلكم. ثم أخذ الكأس وقال لهم: "خذوا واشربوا منها كلّكم، هذه هي كأس دمي، دم العهد الجديد الأبدي، الذي يراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا". أشكر الله الذي منحنى النعمة أن أقول، في نفس المكان، نفس الكلمات التي قالها هو، طاعة لأمره: "اصنعوا هذا لذكري".  هل فهم الرسل الكلمات التي نطق بها السيد المسيح؟ ربما لم يفهموها. فمعنى هذه الكلمات لم يتّضح إلاّ في الثلاثيّة الفصحية، أي من يوم الخميس إلى يوم القيامة. في هذه الأيام نجد "السر الفصحي"، وفيها أيضا نجد "السر الإفخارستي".
 
3. الكنيسة تلد من السر الفصحي. لذا تأخذ الإفخارستيا مكانها في قلب حياة الكنسية. وهذا ما نقرأه في أعمال الرسل عن الجماعة المسيحية الأولى: "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل والحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة".  كسر الخبز يعني الاحتفال بالإفخارستيا. وما زلنا، بعد ألفي سنة، نحتفل بالسر ذاته. وفيما نحتفل بهذا السر، تتأمّل عيون نفسنا في الثلاثية الفصحيّة، وبالخصوص في خميس الأسرار وبعده. ذلك أن ما حصل يوم الخميس استباقٌ لما سيحدث في اليوم التالي، ابتداءً من النزاع في بستان الجسمانية. نرى يسوع يخرج من العليّة ويتّجه إلى بستان الزيتون، والذي ما زالت فيه بعض الأشجار التي قد يعود عمرها إلى ذلك الزمان، الزمان الذي أصبح فيه عرق يسوع "كقطرات دم تتساقط على الأرض" (لوقا 22، 44). وهكذا بدأ دمه يراق، ذاك الدم الذي أعطاه قبل قليل تلاميذَه ليشربوه. وسفك الدم يجد تمامه على الجلجلة، حيث " يسوع، كاهن الخيرات المستقبلة، دخل الهيكل مرة واحدة، لا بدم التيوس والثيران، بل بدمه، فكسب لنا فداءً أبديا" (عبر. 9، 11-12).
 
4. ساعة فدائنا. مع أن يسوع شعر بالاضطّراب، إلاّ أنه لم يهرب حين زفّت ساعته: " ماذا أقول؟ يا أبت نجّني من هذه الساعة؟ وما أتيت إلاّ لتلك الساعة (يوحنا 12، 27). يرغب يسوع أن يبقى التلاميذ في صحبته، ومع ذلك يرى أن عليه أن يختبر محنة الوحدة والعزلة: "أهكذا لم تستطيعوا أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة" (متى 26، 40 –41). فقط يوحنا بقي واقفا تحت الصليب، مع مريم وبعض النسوة. كان النزاع في بستان الزيتون مقدمة للنزاع على الصليب. وعندما نحتفل بالإفخارستيا في كنيسة القيامة، نعود بشكل عفوي إلى "ساعة" يسوع، ساعة الخلاص والمجد. كل كاهن يحتفل بالإفخارستيا، يعود، هو والشعب الذي يشترك معه في الصلاة، إلى تلك "الساعة". "وصُلب ومات وقبر وقام في اليوم الثالث". تُقابل هذه الكلمات من قانون الإيمان، ما نقوله في تكريم الصليب: "هوذا عود الصليب الذي عليه عُلّق خلاص العالم، هلمّوا نسجد له". تلك هي دعوة الكنيسة إلى جميع المؤمنين مساء الجمعة العظيمة. وتكتمل هذه العبارة بما تنشده الكنيسة بعدئذ في الزمن الفصحي: " قام الرب من القبر، قام من عُلّق من أجلنا على الخشبة، هللويا".
 
5. هذا سر الإيمان. يقول الكاهن هذه الكلمات فيجيب الشعب: "إننا نخبر بموتك ونعترف بقيامتك وننتظر مجيئك في المجد". تشير الكنيسة في هذه الكلمات إلى سرّ آلام المسيح، كما تشير إلى سرّها هي. فالكنيسة من الإفخارستيا. فإن كانت الكنيسة رأت النور بقوة الروح القدس يوم العنصرة وبدأت مسيرتها في تاريخ البشر، فلا شك أن وضع سرّ الإفخارستيا في علية صهيون هو لحظة تأسيسها الحاسمة. فأساسها وقمّتها هي الثلاثية المقدّسة، والتي نجدها بشكل مسبّق ومكثّف الى الأبد في هبة الإفخارستيا. وفي هذه الهبة يعهد المسيح إلى الكنيسة بتأوين سرّه الفصحي في الزمان والمكان. في هذه الهبة، جعل المسيح "تزامُنا" سريّا بين الثلاثية الفصحية وسير الدهور. التفكير في هذه الأمور يملأنا اندهاشا ومشاعرَ شكر. ففي الحدث الفصحي وفي الإفخارستيا التي تأوِّنه عبر القرون، هناك مضمون ضخم، يحتوى التاريخ من حيث أنّه هدف النعمة والخلاص. وهذه المشاعر يجب أن تملأ الكنيسة التي تحتفل بالإفخارستيا، وأن تملأ بنوع خاص خادم الإفخارستيا، فهو الذي يقيم سر الإفخارستيا، بقوّة النعمة التي حصل عليها برسامته الكهنوتية. وهو الذي يلفظ كلمات التقديس، بقوّة المسيح في العليّة: "هذا هو جسدي… هذا هو دمي المهراق من أجلكم…" يلفظ الكاهن هذه الكلمات، أو بالأحرى يضع فمه وصوته تحت تصرّف المسيح الذي قال هذه الكلمات في علّية صهيون، والذي أراد أن تُعاد هذه الكلمات إلى أبد الدهور من خلال الذين يُشرِكهم في كهنوته.
 
6. أريد بهذه الرسالة أن أجدّد مشاعر الإعجاب الإفخارستيّ، في خط الوصية التي أعطيتُها الكنيسةَ في نهاية الاحتفالات باليوبيل الكبير، وفي الرسالة عن المسبحة الوردية. التأمل في وجه المسيح، والتأمل به مع مريم، هذا هو البرنامج الذي وضعتُه للكنيسة في فجر الألفية الثالثة، داعيا إياها إلى التقدم في عالم البشر بشجاعة وحماس التبشير الجديد. والتأمل في وجه المسيح يعني التعرّف عليه في جميع مظاهره، وخصوصا في سر جسده ودمه. فالكنيسة تعيش من المسيح الإفخارستيّ، ومنه تتغذّى وبه تهتدي. الإفخارستيا سرّ إيمان، وسرّ نور. وفي كل مرة تحتفل فيها الكنيسة بسر القربان، يختبر المؤمنون ما اختبره تلميذا عماوس: "فانفتحت أعينهما وعرفاه" (لوقا 24، 31).
 
7. منذ أن بدأت خدمتي كخليفة بطرس، أردت أن أبعث برسالة خاصة إلى جميع كهنة العالم يوم خميس الأسرار. وأريد في هذه السنة الخامسة والعشرين من خدمتي أن أدعو الكنيسة كلها إلى التفكير في الإفخارستيا، وأشكر الرب على نعمة الكهنوت والقربان الذي هو "هبة وسر". وإن تعمّدت أن أضع هذه السنة الخامسة والعشرين من خدمتى تحت حماية مريم العذراء سيدة الوردية، للتأمل في وجه المسيح على غرارها، لا يمكن أن يمرّ خميس الأسرار هذه السنة دون أن نتأمل في "وجه المسيح الإفخارستي"، للتأكيد على مكانة الإفخارستيا المركزية في حياة الكنيسة. فالكنيسة تتغذّى بهذا "الخبز الحي". كيف لا ندعو العالم كلّه إلى تجديد خبرته باستمرار بالخبز النازل من السماء؟
 
8. عندما أفكّر بالإفخارستيا، ككاهن وكأسقف وكخليفة بطرس، أعود بذاكرتي إلى جميع الأماكن التي احتفلت بها بهذا السر. أولا الكنيسة الراعوية حيث خدمت في أبرشية كراكوفيا ثم في كاتدرائية فافل Wawelثم في كاتدراية القديس بطرس وفي الكثير من الكاتدرائيات والكنائس في مختلف بقاع العالم. احتفلت بالإفخارستيا في معابد صغيرة في الجبال، وعلى شواطئ البحار والبحيرات، كما احتفلت بالإفخارستيا في ساحات واسعة في مختلف المدن… وتنوّع الأماكن هذا يحملني على التفكير بالبُعد الكوني لهذا السرّ. أقول البُعد الكوني لأننا عندما نحتفل بالإفخارستيا في كنيسة صغيرة في قرية نائية، فنحن نحتفل بها على مذبح العالم. الإفخارستيا رباط يجمع بين الأرض والسماء، وهي تتغلغل في الخليقة بأكملها، ذلك أن ابن الله تجسّد ومات ليُعيد الخليقة بأكملها إلى أبيه السماوي في نشيد تسبيح. وهو الذي يدخل المعبد الأبدي بذبيحة جسده ودمه، ويعيد الخليقة المفتداه الى الآب الخالق. ويقوم بذلك بقوة كهنوت الكنيسة الخِدَمي ولمجد الثالوث الأقدس. نحن هنا أمام سر الإيمان الذي يتحقق في سرّ الإفخارستيا. فالعالم الذي خرج من يد الآب يعود إليه بعد أن افتداه يسوع المسيح.
 
9. الإفخارستيا هي حضور المسيح الخلاصي وسط الجماعة المسيحية وغذاؤها الروحي، وهي في نفس الوقت أثمن ما تملكه الكنيسة في مسيرتها التاريخية الطويلة. من هنا نفهم الاهتمام الخاص جدا الذي توليه الكنيسة لهذا السر، ويظهر هذا الاهتمام في تعليم البابوات. كيف لا نقدّر ما قاله المجمع التريدنتيني عن الإفخارستيا؟ فما قاله هذا المجمع أنار تعليم الكنيسة لعدّة قرون. وفي العصور الحديثة نذكر رسالة البابا ليون الثالث عشر Mirae caritatis (1902) ورسالة البابا بيوس الثاني عشر Mediator Dei (1947)، ورسالة البابا بولس السادس Mysterium Fidei (1965). ومع أن المجمع الفاتيكاني الثاني لم يخصص وثيقة لسر الإفخارستيا، إلاّ أنه تناول موضوع الإفخارستيا أكثر من مرة، لا سيما في الوثيقة "نور الأمم"، و" الليتورجيا المقدّسة". كما تناولت أنا أيضا بعض جوانب السر الإفخارستيّ في رسالة Dominicae cenae (1980)  تكلّمت عما يعنيه سر الإفخارستيا، لا سيما بالنسبة لخادم السر. وأعود اليوم لمعالجة نفس الموضوع، بينما تتردّد في داخلي كلمات صاحب المزامير: "ماذا أردّ إلى الرب عن جميع ما كافأني به. آخذ كأس الخلاص وأدعو اسم الرب" ( مزمور 115، 11-12).
 
10. ومقابل دعوات تعليم الكنسية الرسمي، شهدت الكنيسة نمّوا روحيا داخليا. لا شك ان الإصلاح الليتورجي الذي قام به المجمع أثمر ثمارا روحية غزيرة على صعيد مشاركة الشعب المؤمن في سر الإفخارستيا. ثم إن عادة السجود للقربان الأقدس ازدادت في أكثر من مكان، وأصبحت تمثّل منبع نعم وقداسة للكثيرين. أضف إلى ذلك مشاركة شعبية كبيرة للتطواف الذي يقام هنا وهناك بالقربان الأقدس. وهنالك علامات أخرى إيجابية كثيرة في هذا المجال. لكن يجب القول، مع الأسف، إن هنالك أيضا أماكن هُجرت فيها عادة التعبّد لسر الإفخارستيا، إضافة إلى بعض الممارسات الخاطئة التي لا تنم إلى العقيدة الصحيحة بصلة. هنالك أيضا تفسيرات ناقصة لهذا السر، وحصر معناه في مجرّد لقاء أخوي. وهنالك أيضا تهميش لدور سرّ الكهنوت الخدمي  في إقامة السر… وينتج عن ذلك بعض الاحتفالات المسكونية بسر القربان والتي – بالرغم من النية الصادقة من قبل القائمين عليها –  لا تحترم قدسية السر كما تؤمن به وتعلّمه الكنيسة. كيف يمكننا ألاّ نتألم من هذه الممارسات؟ فالإفخارستيا سرّ عظيم ولا يمكن السماح عن ممارسات لا تتقيّد بهذه القدسية. آمل أن تساعد هذه الرسالة في انقشاع ما يحوم حول سر الإفخارستيا من أخطاء، فيعود السر يشعّ بهاء وعظمة وقدسية.
 
الفصل الأول
سرّ الإيمان
11."في الليلة التي أُسلِم فيها" (1 كور. 11، 23) أسس يسوع المسيح سرّ جسده ودمه الأقدسين. تعيدنا كلمات القديس بولس الى الظروف المأساوية التي فيها ولدت الإفخارستيا، حوادث تتمركز حول موت المسيح وقيامته. وهذه الكلمات ليست مجرّد ذكرى، بل هي تكرّر نوعا ما، ما حصل بشكل سرّي. انه سر الصليب الذي يتجدّد أبد الدهور. وهذا ما نسمعه في جواب الشعب المؤمن في الطقس اللاتيني على كلمات التقديس: "إننا نخبر بموتك يا رب…". استلمت الكنيسة الإفخارستيا من يد الرب لا كهبة ضمن باقي الهبات، بل كهبة متميّزة، لأنها هبة ذاته، هبة نفسه في بشريّته المقدسة وهبة خلاصه. فخلاص المسيح ليس خلاصا مغلقا على ذاته، "لأن المسيح، بكلّ ما صنعه وكابده في سبيل الناس أجمعين يشترك في الأبدية الإلهية ويشرف هكذا على جميع الأزمان" ( تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1085). فعندما تحتفل الكنيسة بسر الإفخارستيا، ذكرى موت الرب وقيامته، يصبح حدث الخلاص هذا حاضرا بشكل حقيقي، وهكذا "يتم عمل خلاصنا". وعمل الخلاص هذا من الأهمية بحيث ان المسيح لم يتركنا ويعود إلى أبيه إلاّ بعد أن ترك لنا إمكانية المشاركة فيه بشكل حقيقي، كما لو كنّا حاضرين يوم خميس الأسرار. وهكذا يستطيع كلّ إنسان أن يشترك في سر الفداء ويجني ثماره الخلاصية. أريد يا اخوتي أن أكرّر أمامكم هذه الحقيقة عن سر القربان: السر العظيم، سر الرحمة. ماذا كان يمكن للمسيح أن يعطينا أكثر من هذا؟ فهو في الإفخارستيا يبرهن أنه أحبنا "إلى أقصى الحدود" ( يوحنا 13، 1).
 
12. وبُعد المحبة الإفخارستيا هذا مؤَسَّسٌ على كلمات المخلص. فلم يكتف المسيح بأن يقول: "هذا هو جسدي"، "هذا هو دمي"، بل أضاف " الذي يبذل من أجلكم"، و" من أجل الكثيرين".لم يكتف بأن يقول للرسل انه يعطيهم جسده ودمه مأكلا ومشربا، بل أشار أيضا إلى بُعد "الذبيحة" في هذه الهبة، مشيرًا بذلك إلى ما سيحدث بعدئذ ببضع ساعات. "ذبيحة القداس هي في آن واحد، التذكار القرباني الذي تستمر به ذبيحة الصليب، والوليمة المقدسة التي بها نشترك في جسد الرب ودمه" ( تعليم الكنيسة، رقم 1382). فالكنيسة تعيش باستمرار من قوة خلاص المسيح، وتتحد به لا من خلال مجرّد ذكرى تقيمها، بل حقيقيةً، لأن سر الإفخارستيا يتجدد فعلا في كل جماعة مؤمنة تقدّم الذبيحة عن يد الكاهن المكرّس. وهكذا توصِِل الإفخارستيا إلى جميع البشر المصالحة التي استحقّها يسوع المسيح مرة واحدة. وبالفعل، "فذبيحة المسيح وذبيحة الإفخارستيا ذبيحة واحدة" ( نفس المرجع رقم 1367). وهذا ما قاله أيضا يوحنا الدمشقي: "نقدّم دوما نفس الحَمَل، لا حملا اليوم وحملا آخر غدا، بل نفس الحمل. لهذا السبب، هنالك ذبيحة واحدة… فنحن اليوم نقدّم الذبيحة التي قُدِّمت في الماضي والتي لم تنته أبدا". القداس لا يُضاف ولا يضيف شيئا إلى ذبيحة الصليب، بل يؤوِّنها. ما يتكرر هو "إظهار ذكرى" الذبيحة، الذي من خلالها يصبح ما قدّمه المسيح حاضرا في الزمان. لذا لا يمكن أن نعتبر سر الإفخارستيا وكأنه أمر قائم بحد ذاته، دون علاقة بذبيحة الصليب.
 
13. وبقوة علاقتها بذبيحة الصليب، نقول ان الإفخارستيا ذبيحةٌ بالمعنى الحصري  وليس فقط بالمعنى الرمزي العام، كما لو كان المسيح يقدّم ذاته غذاء روحيا للمؤمنين. فتقدمة محبته "إلى أقصى الحدود" هي في النهاية تقدمة إلى أبيه السماوي. وهي تقدمة لصالحنا ولصالح البشرية بأكملها. لكنها قبل كل شئ تقدمة إلى الآب: "تقدمةٌ قبلها الآب، وبادَلها بهبة الحياة الجديدة من خلال القيامة". وفي تقدمة ذاته للكنيسة، قبل المسيح أيضا التقدمة التي تقوم بها الكنيسة لتّتحد بتقدمته هو. هذا هو تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني فيما يختص بالمؤمنين: "باشتراكهم في ذبيحة الإفخارستيا، منبع الحياة المسيحية كلها وقمتها، يقرِّبون لله الذبيحة الإلهية، ويقرّبون معها أنفسهم أيضا" (الكنيسة، رقم 11).
 
14. وفصح المسيح يشمل القيامة، مع الآلام والموت. وهذا ما نقوله في جوابنا: "ونحتفل بقيامتك". القيامة التي هي نوعا ما تتويج سر الخلاص بأكلمه. فالمسيح الحي الموجود في القربان هو المسيح الحيّ، "خبز الحياة" (يوحنا 6، 35)، "الخبز الحيّ" (يوحنا 6، 51). كان القديس أمبروزيوس يقول ذلك للمعمّدين حديثا، مطبقا على حياتهم بعد العماد، حدثَ القيامة: "إن كان المسيح لك اليوم، فهو سيقوم من الموت من أجلك كل يوم". كما كان كيرلّس الإسكندري يقول ان المشاركة في الأسرار المقدسة "اعتراف حقيقيّ أن الرب مات وقام من أجلنا".
 
15. وفي ذبيحة القداس، تكتسي قيامة المسيح وجودا مميزا في تجديد ما حدث على الجلجلة. يقول بولس السادس: "نقول انه وجود حقيقي، لا لأنّ باقي الظواهر ليست حقيقية، بل لأن وجوده حقيقي بمعني أنه جوهريّ، أي انه يجعل المسيح حاضرا في طبيعته البشرية والإلهية". وما هذا إلاّ إعادة لما قاله المجمع التريدنتيني عن حضور المسيح: "بصلاة تكريس الخبز والخمر، يستحيل جوهر الخبز إلى جوهر المسيح ويستحيل جوهر الخمر إلى جوهر المسيح. هذا ما تدعوه الكنيسة (الاستحالة). هذا هو سر الإيمان الذي لا يمكن للعقل أن يحتويه، والذي لا يمكن قبوله إلاّ بالإيمان، كما كان آباء الكنيسة يقولون. يقول كيرلس الأورشليمي: "لا تتوقّف عند عنصر الخبز والخمر الطبيعي، فهي جسد المسيح ودمه. لا شك أن الحواس توحي لك أنها خبز وخمر، لكن الإيمان يؤكّد لك أنها جسد المسيح ودمه". من هنا ننشد مع القديس توما الأكويني : "لك أجثو خاشعا يا إلها"… أمام هذا السر، تختبر الطبيعة البشرية كم هي محدودة. ومن هنا نفهم كم من الجهود قام بها العقل البشري عبر التاريخ ليحاول الوقوف على كنه هذا السر. لا شك أنها جهود حميدة قام بها اللاهوتيون والكنيسة، وتصل إلى شكل من أشكال الفهم ليس أقّلها الفهم الداخلي ( الروحي) الذي تمتع به القديسون والمتصوّفون. بيد أن هنالك حدٌّ لمحاولة الفهم هذه، أوضحه البابا بولس السادس: "كل محاولة بشرية لفهم سر الإفخارستيا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن أعراض الخبز والخمر لم تعد تشير إلى خبز أو إلى خمر، بل إنها تحوّلت جوهريا وبشكل حقيقي إلى جسد المسيح ودمه".
 
16. يتحقق ثمر الخلاص في الذبيحة الإفخارستيا عندما نتناول جسد المسيح ودمه. فالذبيحة تهدف إلى إدخالنا في علاقة حميمة مع يسوع المسيح، من خلال المناولة. فنحن نقبله هو، هو الذي قرّب ذاته في سبيلنا. نقبل جسده الذي بُذل في سبيلنا ودمه الذي أهرِق من أجلنا. لنتذكر هذه الكلمات: "فكما أن الآب الحيّ أرسلني، وأنّي أحيا بالآب، هكذا يحيا بي من يأكلني" (يوحنا 6، 57). ويسوع نفسه يؤكّد لنا أن هذا الاتحاد يحدُث بشكل حقيقي. فالإفخارستيا وليمة حقيقية، يقدّم فيه المسيح نفسه مأكلاً. وعندما تلفّظ المسيح بهذه الكلمات للمرة الأولى شعر سامعوه بالذهول، بحيث أنه كرّر مرة أخرى: "الحق الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في أنفسكم" (يوحنا 6، 53). لا يتعلّق الأمر بغذاء رمزيّ، فـ"جسدي طعام حقا ودمي شراب حقا" (يوحنا 6، 55).
 
17. ومن خلال تناول جسده ودمه، يعطينا المسيح أيضا روحه القدوس. يقول القديس أفرام: "يدعو (المسيح) الخبزَ جسدَه ويملأه من روحه… ومن يأكل بإيمان، يأكل النار والروح… خذوا كلوا منه كلكم، وكلوا معه الروح القدس. فهذا بالفعل جسدي ومن يأكله يحي إلى الأبد". وفي صلاة استدعاء الروح القدس، تطلب الكنيسة هذه الهبة بشكل خاص. نقرأ في ليتورجية القديس يوحنا الذهبي الفم: "ندعوك ونطلب ونتضرع إليك، أرسل روحك القدوس علينا وعلى هذه الهبات… كي يحصل من يشترك فيها على تنقية النفس وغفران الخطايا وهبة الروح القدس". وفي الليتورجية اللاتينية يقول الكاهن: " إن نتغذى من جسد ودمه، فنمتلئ من الروح القدس فنكون جسدا واحدا ونفسا واحدة في المسيح". وهكذا، يُنمي فينا المسيح هبة روحه القدوس من خلال تناولنا جسده ودمه الأقدسين، ذاك الروح الذي نلناه في المعمودية وخُتمنا به في سر التثبيت.
 
18. ينتهي هتاف الشعب بعد كلمات التقديس بجمله تشير إلى البُعد الأُخرَوي لسرّ الإفخارستيا: "وننتظر مجيئك في المجد".  تتوق الافخارستيا الى الآخرة، إلى ملء الفرح الذي وعد به المسيح. وهي فينا "عربون المجد الآتي". كل شئ في الإفخارستيا يحمل هذا المعنى: "نحن المنتظرين في رجاء سعيد مجيء مخلصنا يسوع المسيح". فمن يتغذّى من جسد الرب لا ينبغي أن ينتظر الحياة الآخرة لينعم بالأبدية، فهو حاصل عليها منذ الآن، كعربون يكتمل في الآخرة. ونحن نقبل أيضا في الإفخارستيا الوعد بالقيامة المجيدة لأجسادنا: "من يأكل جسدي ويشرب دمه، فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" ( يوحنا 6، 54). وهذا التأكيد أساسه أن جسد المسيح المُعطى لنا غذاءً وهو جسد المسيح الممجّد والقائم من الموت. والإفخارستيا تساعدنا على استيعاب "سرّ" القيامة. لذا يعرّف القديس أغناطيوس الأنطاكي الخبز الإفخارستي على أنه "دواء الخلود، وتأكيد على عدم الموت".
 
19. وهذا البعد الأُخروي يؤكِّد أيضا على العلاقة القائمة مع كنيسة السماء. وليس من باب الصدفة أن الليتورجيات الشرقية والليتروجيا اللاتينية تذكر أيضا "أولا سيدتنا مريم العذراء الدائمة البتولية، والدة ربنا وإلهنا يسوع المسيح، والملائكة والرسل والشهداء وجميع القديسين. هذا جانبٌ من الإفخارستيا ينبغي التركيز عليه. فنحن في احتفالنا بذبيحة الحمل نشترك في ليتورجيا السماء، ونتّحد بالجموع التي تهتف: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللحمل" ( رؤيا 7، 10). الإفخارستيا هي بالفعل زاوية من السماء تطلّ على الأرض. هي شعاعٌ من أوشليم السماوية يخترق غيوم التاريخ وينير طريقنا.
 
20. ونتيجة أخرى لهذا الجانب الأُخروي في الإفخارستيا هي أنها تعطي دفعة في مسيرتنا في التاريخ، وتضع بذرة الرجاء الأبدي في كلّ عمل نقوم به. فإن كان المسيحيّ يعيش على أمل "سماوات جديدة وأرض جديدة"، إلاّ انه لا يمكنه التنازل عن واجبه في تتميم مسئولياته الأرضية. أريد أن اكرّر بقوة في بداية الألفية الثالثة واجبَ المؤمنين في القيام بواجباتهم الزمنية. عليهم، بقوة الإنجيل ونوره، أن يساهموا في خلق عالم جديد يؤهّل الإنسان لأن يتجاوب بشكل تام مع مخطّط الله عليه ولأجله. وما أكثر المشاكل التي تُرهق تاريخنا. العملُ على استتباب السلام، ووضع أسس العدل والمشاركة في العلاقات بين الشعوب والدول، والدفاع عن الحياة البشرية منذ الحبل بها إلى لحظة انتهائها الطبيعية، وإعادة الأمل إلى الضعفاء والصغار والفقراء في مجتمع مُتَعَوْلِم. يجب أن يشعّ الأمل المسيحي في هذا العالم لا في غيره. ولهذا السبب أراد الرب أن يبقى فيما بيننا في سر القربان، كي يضع في الإنسان وفي العالم وعدًا ببشرية يجدّدها حبُّه. لهذا السبب، بينما تذكر الأناجيل الإزائية نص تأسيس سر القربان، يذكر إنجيل القديس يوحنا غسل الأرجل، حيث يظهر المسيح سيدًا في الشركة والخدمة. من ناحية أخرى يُعلن القديس بولس أن الجماعة التي تقترب من سر القربان بمشاعر تخلو من الوحدة وتتميز بالتفرقة واحتقار الفقراء، إنّما تقترب من القربان بشكل غير مستحق. الإعلان عن "موت المسيح إلى أن يأتي"، يطلب مِن جانب مَن يشاركون في الإفخارستيا، التزامًا بتغيير الحياة بحيث تصبح، نوعا ما، إفخارستيّة. وتغيير الحياة والالتزام بتغيير العالم حسب الإنجيل يُظهران بوضوح المنحى الأُخروي للاحتفال بسر الإفخارستيا: "تعال أيها الرب يسوع".
 
الفصل الثاني
الإفخارستيا تبني الكنيسة
21. ذكّر المجمع الفاتيكاني أن سرّ الأفخارستيا يقع في مركز عملية نموّ الكنيسة. فبعد أن قال المجمع إن "الكنيسة هي ملكوت المسيح الحاضر حضورا سرًّيا، تنمو بقدرة الله في العالم" (سر الكنيسة 3)، كما لو كان يريد أن يجيب على السؤال: "كيف تنمو الكنيسة؟"، يضيف: "كلّ مرة تُقام على المذبح ذبيحة الصليب التي ذُبح فيها المسيحُ فصحُنا، يتمّ عمل افتدائنا، وكذاك تتمثّل في سر الخبز الإفخارستيّ، وحدةُ المؤمنين الذين يؤلّفون في المسيح جسدا واحدا" (نفس المرجع). منذ بدء الكنيسة، كان تأثير الإفخارستيا واضحا. يقول الإنجيليون إن الاثني عشر رسولا كانوا مجتمعين حول يسوع في العشاء الأخير. ومن المهم أن نلاحظ أن الاثني عشر كانوا في نفس الوقت بذرة شعب الله الجديد وفي نفس الوقت أصل السلطة الكنيسة (راجع الوثيقة عن نشاط الكنيسة الإرسالي، رقم 5). وعندما أعطاهم المسيح جسده ودمه مأكلا ومشربا، وحّدهم المسيح بشكل سرّي بذبيحته التي ستتمّ فيما على الصليب. وفي وجه تشابه مع العهد الذي تم في سيناء من خلال رشّ الدم ( خروج 24، 8)، وضعت كلمات وحركات يسوع في العشاء الأخير الأساسَ لجماعة مسيحانية جديدة، ولشعب العهد الجديد. وعندما قبل الرسل كلمات يسوع: "خذوا كلوا… خذوا اشربوا كلّكم…"، دخلوا في شركة حميمة وسرّية معه. ومنذ ذلك الحين وحتى انتهاء الأزمنة، تُبنى الكنيسة من خلال الشركة السريّة مع ابن الله المذبوح من أجلنا: "اصنعوا هذا لذكري… كلما شربتم من هذه الكأس، اصنعوا هذا لذكري".
 
22. ان التوشّح ( لبس) بالمسيح الذي يتم في المعمودية يتجدّد ويتقوّى باستمرار في المشاركة بالذبيحة الإفخارستية، وخصوصا بتناول جسد الرب ودمه. فنحن نستطيع أن نقول ليس فقط إن كلَّ واحد منا يقبل المسيح، بل أن المسيحَ يقبلُ كلّ واحد منا، يقوّي صداقته معنا : "أدعوكم أحبائي" (يوحنا 15، 14). ونحن نعيش بقوّة نعمته: "من يأكلني يحيا بي" ( يوحنا 6، 57). وبالنسبة للمسيح ولتلميذ المسيح، يتحقّق مكوث الواحد في الآخر من خلال المناولة: "أثبتوا فيّ كما أنا فيكم" (يوحنا 15، 4). وعندما يتّحد شعبُ العهد الجديد بالمسيح، فهو لا ينغلق على نفسه، بل يصبح "سرّاً" للبشرية بأكملها، أي علامةً وأداةً للخلاص الذي أتمّه المسيح، نورًا للعالم وملحًا للأرض، في سبيل خلاص الجميع. وما رسالة الكنيسة إلا امتدادا لرسالة المسيح: "كما أرسلني الآب أرسلكم" (يوحنا 20، 21). لذا تنهل الكنيسة القوة الروحية اللازمة لإتمام رسالتها من استمرار ذبيحة المسيح في سر الإفخارستيا ومن تناول جسد المسيح ودمه. وهكذا تظهر الإفخارستيا على أنها حقًّا "نبع وقمة" التبشير، لأن هدفها النهائي هو شركة جميع البشر بيسوع المسيح، وبه مع الآب والروح القدس.
 
23. والمناولة تشدّد الكنيسة في وحدتها كجسد المسيح السرّي. يتكلم القديس بولس عن هذه " الفعالية الموحِّدة" لسرّ الإفخارستيا عندما يكتب لأهل كورنتس: "أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فإنّا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد" ( ا كورنتس 10، 16-17). ويفسّر الذهبي الفم قائلا: "ما هو هذا الخبز؟ انه جسد المسيح. ماذا يصبح من يقبلونه؟ جسد المسيح. لا أجساد المسيح، بل جسد المسيح الواحد. فكما أن الخبز واحد، مع أنه مؤلف من حبات قمح كثيرة، وهي حبات لا نراها لكنها موجودة ومتحدة بحيث يختفي الاختلاف فيما بينها داخل وحدة الخبز الواحد، هكذا نحن متحدون مع بعضنا البعض ومع المسيح". التعليق عميق: فاتحادنا بالمسيح، والذي هو هبة ونعمة لكل واحد منا، يضمّنا الى وحدة جسده الذي هو الكنيسة. تساعد الافخارستيا على الاتشاح بالمسيح الذي يتم في المعمودية من خلال هبة الروح القدس. والعمل المشترك بين المسيح والروح القدس في تأسيس الكنيسة وفي تثبيتها، موجود أيضا في الإفخارستيا. وهذا ما يقوله كاتب ليتورجية القديس يعقوب: ففي صلاة استدعاء الروح القدس، نطلب من الله الآب أن يرسل الروح القدس على المؤمنين وعلى التقادم، كي يُفيد جسد المسيح ودمه جميع المشاركين… لتقديس النفس والجسد". فالروح البارقليط هو الذي يثبّت الكنيسة  من خلال تقديس المؤمنين بالإفخارستيا.
 
24. وهبة المسيح والروح القدس الذي نقبله في المناولة يحقق بشكل تام التوقَ إلى الوحدة الذي يغمر قلوب البشر. لا بل يرفع مشاعر القُرب البشري إلى مستوى المشاركة في وليمة الرب الإفخارستية. وهكذا تحقّق الكنيسة هويتَها من خلال تناولها جسد الرب ودمه. فهي "في المسيح، بمثابة السر، أي العلامة والأداة في الاتحاد الصميم بالله ووحدة الجنس البشري برمّته" (سرّ الكنيسة، 1). وهكذا، أمام بذور التشتت بين البشر المتجذّرة في الخطيئة الأصلية وتبعاتها، تقف القوّة المولِّدة للوحدة النابعة من المسيح. الإفخارستيّا تبني الكنيسة وتبني واقعَ المشاركة بين بني البشر.
 
25. إن التعبدات للقربان الأقدس، خارج إطار ذبيحة القداس، لها أهمية كبيرة في حياة الكنيسة. وهي تعبّدات مرتبطة ارتباطا وثيقا بذبيحة القداس. فحضور المسيح في الأشكال المقدسة بعد القداس، وهو حضور يبقى فعليا ما دامت أعراض الخبز والخمر صالحة، (هذا الحضور) ينبع من الاحتفال بالذبيحة ويتوق إلى تحقيق روح المشاركة السرّانية والروحية. ويعود إلى الرعاة واجب تشجيع هذه التعبّدات الإفخارستية، أوّلاً من خلال مَثَلهم، لا سيما عرض القربان الأقدس والسجود له. جميل أن نتحدّث مع المسيح كما فعل يوحنا الذي مال على صدر يسوع، لنشعر بدفء قلبه. وإن كانت المسيحية اليوم يجب أن تتميّز ب "فنّ الصلاة"، كيف لا نشعر بالحاجة الى المكوث بشكل مطوّل في حضرة يسوع القرباني، والتحدّث الروحي إليه، والسجود الصامت له. لطالما قمتُ شخصيا بهذه الخبرة، ولطالما نهلت منها سندًا ونعمًا لا تُحصى. وكم من القديسين أعطونا مثالا في ذلك: القديس الفونس ماري دي ليجوري كتب في هذا الصدد: "بعد الأسرار، السجود للمسيح في القربان هو أوّل التعبّدات، وأعزّها على قلب الله وأكثرُها فائدة لنا". الإفخارستيا كنـز لا يُقدّر بثمن. الاحتفال بالإفخارستيا، والسجود لها مطوّلا خارج القداس، يسمح بأن ننهل مباشرة من نبع النعم. إن أرادت أية جماعة مسيحية أن تتأمل بوجه المسيح، كما طلبتُ في رسالة  "الدخول في الألفية الثالثة"، وفي رسالة " سر الوردية"، فلا بدّ لها من تطوير هذا الوجه من التعبّد الإفخارستي، الذي فيه تستمرّ وتكثر ثمار المشاركة في جسد المسيح ودمه.
 
الفصل الثالث
رسولية الإفخارستيا والكنيسة
26. إذا كانت الإفخارستيا تبني الكنيسة، كما قلنا أعلاه، وإذا كانت الكنيسة "تعمل" الإفخارستيا، فالنتيجة الحتمية لذلك هي وجود علاقة عميقة ومتينة بينهما، بحيث أننا نستطيع أن نطبق على الإفخارستيا ما نقوله في قانون الإيمان عن الكنيسة بأنها "واحدة جامعة مقدّسة رسولية". الإفخارسيا فعلا واحدة وجامعة، ومقدّسة، لا بل هي القربان الأقدس بنفسه. نريد الآن أن نتكلم عن بُعدها الرسولي.
 
27. عندما يتكلّم تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن الكنيسة الرسولية، أي المؤسسة على الرسل، يتكلّم عن ثلاثة معان لهذه الكلمة. فالكنيسة كانت وما زالت مبنية على أساس الرسل، الشهود الذين اختارهم الرب وأرسلهم. ثم انهم كانوا  موجودين في بداية وضع سر الإفخارستيا، لا لأن هذا السر لا يرجع إلى المسيح نفسه، بل لأنهم كانوا شهودا على تأسيسه، ولأن المسيح نفسه أوكلهم بإيصاله إلينا. والكنيسة تحتفل بالإفخارستيا حتى نهاية الدهر، طاعة لأمر للرسل والمسيح. المعنى الثاني لرسولية الكنيسة هي أنها "تحفظ وتنقل، بمساعدة الروح الساكن فيها، التعليم والوديعة الخيّرة والأقوال السليمة التي سمعتها من الرسل" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 857). الإفخارستيا رسولية لأنه يتم الاحتفال بها في أمانة لإيمان الرسل. حدّدت الكنيسة عقيدتها حول القربان الأقدس أكثر من مرة خلال تاريخها الطويل، كما حدّدت التعابير المستعلمة للدلالة على السرّ، وكل ذلك كي تبقى أمينة على إيمان الرسل. وما زال الإيمان على ما هو ، ويجب أن يبقى كذلك.
 
28. أخيرا، الكنيسة رسولية لأنها "لا تزال يعلّمها الرسل ويقدّسونها ويسوسونها إلى عودة المسيح، بفضل من يخلفونهم في مهمّتهم الراعوية: هيئة الأساقفة، "يساعدهم الكهنة، بالاتحاد مع خليفة بطرس، راعي الكنيسة الأعلي" (المرجع نفسه). فخلافة الرسل تقتضي الرسامة الكهنوتية، أي التتابع غير المنقطع للرسامات الأسقفية الصحيحة منذ بدء الكنيسة. ولا بد من وجود هذا التتابع لتبقى الكنيسةُ كنيسةً بالمعنى الكامل. وهذا أيضا جانب من جوانب رسولية الكنيسة. وهذا ما يقوله أيضا المجمع الفاتيكاني الثاني: "وأما المؤمنون فيشتركون بكهنوتهم الملوكي في تقديم الإفخارستيا" (الكنيسة رقم 10). لكن الكاهن المرسوم هو الذي "يقيم، في وظيفة المسيح، الذبيحة الإفخارستيا، ويقرّبها إلى الله باسم الشعب كلّه"( المرجع نفسه). لهذا السبب، الكاهن وحده هو الذي يتلو الصلاة الإفخارستيا، بينما يشارك الشعب بالإيمان والصمت.
 
29. التعبير الذي يستعمله المجمع أكثر من مرّة والقاضي بأن يكون الكاهن المرسوم هو وحده الذي يقيم الذبيحة باسم المسيح، موجود في تعليم الكنيسة الرسمي. والتعبير في شخص المسيح يعني باسم أكثر مما يعني بدل (أو مكان). في شخص المسيح أي مماهاة الكاهن لشخص الكاهن الأول والأزلي والذي هو واضع تقدمته وضحيتها في آن، وبهذا المعنى لا يمكن لأحد أن يأخذ مكانه. وفي التدبير الخلاصي الذي أراده المسيح، يُظهر الكهنوت الخِدمي أن الإفخارستيا التي يحتفل بها الكاهن هبة تتعدّى إمكانيات الجماعة بشكل جذري. بحيث أن الرسامة الكهنوتية تبقى أمرًا لا بدّ منه للحصول على إفخارستيا صحيحة. لا يمكن أن تصبح الجماعةُ المؤمنة جماعةً إفخارستية دون وجود كاهن مرسوم يترأس الإفخارستيا. كما أنه لا يمكن للجماعة أن تعطي لنفسها الرسامة الكهنوتية. فالرسامة هبة تُمنح من خلال الخلافة الأسقفية التي تعود إلى أوائل الكنيسة، إلى الرسل أنفسهم. الأسقف هو الذي يرسم الكاهن ويعطيه السلطة على إقامة الإفخارستيا. لذا لا يستطيع أحد، خلا الكاهن المرسوم، أن يحتفل بهذا السر أو أن يترأسّه. هذا ما علّمه منذ القديم مجمع اللاطران الرابع.
 
30. كان تعليم الكنيسة الكاثوليكية حول الخدمة الكهنوتية في علاقتها بالإفخارستيا، وكذاك تعليم الكنيسة حول الذبيحة الإفخارستيا، موضوعَ حوار مسكوني في الحقبة الأخيرة. نشكر الله المثلث الأقانيم على الخطوات التي تمّ القيام بها في هذا المجال، والتي تفتح لنا باب الأمل في مجيء يوم تتم فيه وحدة الإيمان الكاملة بين المسيحيين. بيد أن ما قاله المجمع عن بعض الجماعات المسيحية التي ظهرت في القرن السادس عشر تبقى صحيحة: "لا جرم أن الجماعات الكنائسية المنفصلة عنّا ليست معنا على الوحدة الكاملة الناجمة عن المعمودية، ونعتقد أنها لم تحتفظ للسر الإفخارستي بجوهره الكليّ الخالص، خصوصا بسبب فقدان سر الكهنوت عندها. بيد أنها باحتفالها في العشاء المقدّس بذكرى موت الرب وقيامته تشهد بأن الحياة تقوم على الاتحاد بالمسيح، وتنتظر عودته المجيدة" (الحركة المسكونية رقم 22). لذا، يجب على المسيحيّين الكاثوليك ان يحترموا معتقدات إخوانهم المسيحيين الآخرين، ويمتنعوا عن الاقتراب من المناولة في احتفالاتهم، كي لا بسبّبوا شكّا أو ضبابية فيما يختص بالعقيدة حول الإفخارستيا، ويهملوا بالتالي واجبهم في الشهادة الواضحة للحقيقة في موضوع الإيمان. وهذا أمر، أن حصل، فمن شأنه أن يُعيق المسيرة نحو الوحدة لا أن يشجّعها. كما لا يمكن استبدال القداس الإلهي باحتفالات بكلمة الله أو بلقاءات صلاة مع مسيحيين آخرين من كنائس أخرى. إن اجتماعات كهذه جيدة في حدّ ذاتها وفي أوقات مناسبة لها، وهي تُهيئ الطريق لوحدة الإيمان حول سر الإفخارستيا، لكنها لا تحلّ مكانه. وان كان الاحتفال بالإفخارستيا محدّدًا في الأسقف أو الكاهن المرسوم، فهذا لا يعني انتقاصًا من كهنوت الشعب المؤمن الملكي، لأن نعمة الإفخارستيا التي تسكن جسد المسيح الذي هو الكنيسة توزِّع النعم على الجميع.
 
31. وان كانت الإفخارستيا مركز وقمّة حياة الكنيسة، فهي أيضا مركز وقمّة الخدمة الكهنوتية. لذا أريد أن أشكر الله، وأذكّر أن الإفخارستيا هي أساس سرّ الكهنوت ومركزُه، لأن الكهنوت وُلد أساسًا مع مولد الإفخارستيا. أعمال الكاهن الراعوية كثيرة. وعندما ننظر إلى مجتمع اليوم، نرى الخطر الذي يحيط بالكهنة، من جهة تشتّتهم بسبب كثرة الأعمال المطلوبة منهم. وقد رأى المجمع في المحبة الراعوية الرابط الذي يجمع بين مختلف هذه النشاطات والأعمال.  وهذه المحبة الراعوي تنبع "من الأفخارستيا التي مركز وأصل حياة الكاهن" (خدمة الكهنة وحياتهم، 14). من هنا نفهم أهمية توصية الكنيسة الروحية بأن يحتفل الكاهن يوميًّا بسر الإفخارستيا التي هي " عمل المسيح والكنيسة، حتى دون وجود مؤمنين" (مجلة الحق القانوني 904). هكذا يمكن للكاهن ان يتغلّب على القِوى التي تمزّقه من الداخل بسبب كثرة انشغالاته، فيجد في الذبيحة الإفخارستية، والتي هي مركز حياته وخدمته، القوّة الروحيّة اللازمة لمواجهة متطلبات حياته الراعوية. وهكذا تصبح أيام حياته نفسها "إفخارستيّة". ومن مركزية الإفخارستيا في حياة الكاهن وخدمته، تنبع أيضا مركزية الإفخارستيا في موضوع العمل الراعوي في سبيل الدعوات الكهنوتية. أولا لأن طلب الدعوات يحدث في صلاة مطوّلة أمام سر القربان حيث يوجد الكاهن الأول والأزلي، ثم لأن الاحتفال بالإفخارستيا، ومشاركة المؤمنين فيه بشكل فعّال، يشكّل حافزا يحمل الشباب على التجاوب بسخاء مع صوت الرب الذي يدعو. فالله يستعمل غِيرةَ الكاهن وحماسَه ليزرعَ في قلوب الشباب بذرة الدعوة إلى الكهنوت.
 
32. كل هذا يُظهر لنا كم هي مؤلمةٌ حالةُ بعض الرعايا التي تتوفّر فيها كلّ العناصر اللازمة لتكون رعية طبيعيّة، ولكن ينقصها وجود الكاهن المرسوم ليقودَها. فالرعية جماعة مؤمنين تعبّر عن وحدتها وهويّتها من خلال الاحتفال بسرّ الإفخارستيا. من هنا ضرورة الكاهن في وسطها ليقيم الذبيحة في شخص المسيح. وعندما لا يوجد كاهن، نلجأ إلى حلول أخرى. وهنا يأتي دور الرهبان والعلمانيين الذين يقودون إخوانهم في احتفالات يوم الأحد ويمارسون بذلك كهنوتهم العام المؤسَّس على سر المعمودية. لكن يجب أن تبقى هذه الحلول مؤقته، ريثما يتسنّى للجماعة المسيحية أن تحظى بوجود كاهن يقودها. وهذه الاحتفالات بدون كاهن يجب أن تشكل حافزا كي يصلي المؤمنون طالبين إلى ربّ الحصاد " أن يرسل علمة إلى حصاده"، كما يجب أن يحملها على القيام بعمل جادّ في موضوع الدعوات الكهنوتية، دون التنازل عن الشروط اللازمة لتنشئة المرشحين إلى الكهنوت.
 
33. وعندما، بسبب نقص الكاهن، توكَلُ الرعية إلى أشخاص غير مرسومين، يجب أن يعي هؤلاء الأشخاص، كما يقول المجمع، أنه "ليس من جماعة مسيحية تستطيع ابتناء نفسها ما لم تكن جذورُها ونقطة دائرتها في إقامة الإفخارستيا" (خدمة الكهنة وحياتهم، 6). لذا عليهم المحافظة، داخل الجماعة المؤمنة، على "جوعٍ" لسر الإفخارستيا، بحيث تستغلّ الجماعة أية مناسبة للحصول على ذبيحة القداس، في حال مرور كاهن بشكل عابر.
 
الفصل الرابع
الإفخارستيا والشركة الكنسيّة
34.رأى الأساقفة في سينودس عام 1985 في "الشركة في علم الكنيسة" التعليم الرئيس للمجمع الفاتيكاني. ففي مسيرتها الأرضية، الكنيسة مدعوّة إلى تحقيق الشركة مع الإله الثالوث من جهة، وبين المؤمنين من جهة أخرى. والوسائل التي بحوزتها للوصول إلى ذلك هي كلمة الله والأسرار، وبالخصوص سرّ الإفخارستيا الذي يمدّها باستمرار ب"الحياة والنموّ"، والذي من خلاله تعبّر عن جوهرها. لذا نقول إن الأفخارستيا هي قمّة جميع الأسرار لأنه بواسطتها تكتمل الشركة مع الله الآب والابن والروح القدس. وقد عبّر أحد الآباء البيزنطيّين عن هذه الحقيقة بروح إيمان ثاقب قائلا: "هكذا، رتبة الإفخارستيا كاملة، خلافا لأية رتبة أخرى. فهي تقود إلى قمة جميع الخيرات، لأننا في سر الإفخارستيا نلتقي بالله نفسه، وفيه يتحد الله فينا بشكل كامل". لهذا السبب يجب أن تَعمُر القلوبُ برغبة مستمرّة في سرّ الإفخارستيا. هكذا ولدت عادة "المناولة الروحية" المنتشرة منذ قرون في الكنيسة والتي مارسها الكثير من القديسين. كتبت القديسة تريزا الأفيلية تقول: "عندما لا تقبل المناولة في القداس الذي تحضره، تناول روحيا. فهذه طريقة مفيدة جدا… هكذا تطبع في نفسك حبًّا عميقا للرب".
 
35. بيد أن الاحتفال بالإفخارستيا لا يمكن اعتباره نقطة الانطلاق للشركة، لأنها تفترضها أساسًا، وتسير بها إلى اكتمالها. فسرّ القربان تعبير عن هذه الشركة في وجهها غير المنظور الذي يجمعنا بالله الآب وفيما بيننا، في المسيح ومن خلال الروح القدس. أما الوجه المنظور فهو الشركة في إيمان الرسل والأسرار والنظام الكنسي. والعلاقة الوطيدة بين وجه الشركة المنظور والوجه غير المنظور عاملٌ أساسيّ في الكنيسة، لكونها سرّ الخلاص. وفي هذا السياق فقط يمكن الكلام عن احتفال شرعيّ بالإفخارستيا، ومشاركة فعلية في السرّ: أن يتمّ الاحتفال في الشركة وفي الأمانة للشروط المرعية.
 
36. الشركة غير المنظورة، مع أنها في نموّ مستمر، تفترض حياة النعمة التي تجعلنا "شركاء في الطبيعة الإلهية" (2 بطرس 1، 4)، كما تفترض فضائل الإيمان والرجاء والمحبة. هكذا فقط يمكن أن تتحقق شركة مع الآب والابن الروح القدس. فالإيمان وحده لا يكفي: بل يجب البقاء في حياة النعمة المقدِّسة وفي المحبة وداخل الكنيسة "قلبا وجسدا". يجب العيش، كما يقول القديس بولس، حسب " الإيمان الذي يعمل بالمحبة" (غلاطية 5،6). واحترام جميع الشروط المطلوبة للشركة غير المنظورة أمرٌ لا بدّ منه للمسيحي الذي يريد أن يشترك بشكل فعّال في الإفخارستيا، ويقترب من جسد الرب ودمه. وهذا ما يقوله بولس الرسول عندما ينبّه المسيحيين: "فليختبر كلّ واحد نفسه، ويقترب من جسد الرب ودمه" (1 كور. 11، 28). وكان يوحنا الذهبي الفم يخاطب مؤمنيه قائلا: "وأنا أيضا أرفع صوتي، وأتضرّع وأرجوكم إلاّ تقتربوا من المائدة المقدّسة بنفوسٍ ملطّخة وفاسدة. فهذه ليست مناولة، حتى لو قبلنا جسد الرب ألف مرة، بل هي دينونة وعذاب وعقاب متزايد". ويقول تعليم الكنيسة الكاثوليكية في نفس الصدد: "من عرف نفسه في خطيئة ثقيلة، عليه أن ينال سرّ المصالحة قبل أن يُقدم على المناولة" ( رقم 1385). لذا، أكرّر نفس التعليم الذي ورد في المجمع التريدنتيني، والذي يعيد موقف القديس بولس والقاضي بقبول سر المصالحة قبل التقدم من المناولة في حال وجود خطيئة ثقيلة.
 
37. الإفخارستيا والمصالحة سرّان مرتبطان ارتباطا وثيقا. فإن كانت الإفخارستيا تجعل ذبيحة المسيح حاضرة الآن وهنا، فهذا يعني أنه تنبع من هذا السر ضرورة إلى الارتداد المستمر، والى الاستجابة لما قاله بولس الرسول لكنيسة كورنتس: "استحلفكم بالمسيح أن تتصالحوا مع الله" (2 كور. 5، 20). فإن كان المسيحي واعيا لوجود خطيئة مميتة تُثقل ضميرة، فمروره بسرّ المصالحة شرطٌ لا غنى عنه قبل أن يقتربَ من جسد المسيح ودمه. لا شك أن الشخص المعني هو الذي يحكم بوجود خطيئة مميتة أم لا، لكن إن وُجد المؤمن في وضع عام وعلني يوحي بمخالفة واعية وثقيلة ومستمرة لقوانين الله أو الكنيسة، فلا يمكن للكنيسة أن تسكت، أقلّه احتراما لقدسية السرّ. من هنا يقول الحق القانوني أن أشخاصا يتواجدون في مثل هذه الظروف، لا يُسمح لهم بالاقتراب من المناولة.
 
38. وللشركة الكنسية وجه منظور. ويحدّد المجمع هذه العلامات الظاهرة: "ينتمي إلى مجتمع الكنيسة انتماءً تاماً أولئك الذين، بعد إذ حصلوا على روح المسيح، يتقبّلون قبولا كليّاً مركّبها وجميع وسائل الخلاص التي أُنشئت فيها، ويتّحدون، في مجتمعها المنظور، بالمسيح الذي يقودها بواسطة الحبر الأعظم والأساقفة المتّحدين فيما بينهم برُبُط الاعتراف بالإيمان، والأسرار والحكم الكنسي، والشركة" (الكنيسة 14). وبما أن الإفخارستيا هي أسمى تعبير سرّي عن الشركة في الكنيسة، يجب أن يتم الاحتفال بها في الأمانة الكاملة لعناصر الشركة الخارجية المطلوبة. ولكونها، بشكل خاص، "اكتمال الحياة الروحية وغاية جميع الأسرار" (توما الأكويني)، فهي تفترض شركة تامّة مع الأسرار، وبالخصوص سرّي المعمودية والكهنوت. فلا يمكن إعطاء المناولة لشخص غير معمّد أو لا يعترف بكامل إيمان الكنيسة حول سر الإفخارستيا. فالمسيح هو الحق وهو يشهد للحق، ولا يمكن لسرّ جسده ودمه أن يقبل الكذب.
 
39. من جهة أخرى، وبسبب طبيعة الشركة الكنسية نفسها وبسبب العلاقة الحميمة بين الكنيسة وسر الإفخارستيا، يجب التذكير أن الذبيحة الإفخارستيا، مع أنها تُقام في جماعة محدّدة، ليست ملكَ هذه الجماعة وحدها. فالجماعة تقبل من المسيح وجودَه الإفخارستي فيها وتقبل معه سرّ الخلاص بأكلمه. وهي، بالرغم من كونها محدودة في الزمان والمكان، تعبير كامل عن الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية. من هنا لا يمكن لأية جماعة إفخارستيا أن تنغلق على نفسها، كما لو كانت مكتفية بذاتها، بل يجب عليها أن تكون في علاقة وَحدةٍ وشركة مع كل جماعة كاثوليكية أخرى. إن الشركة الكنسيّة في الجماعة الإفخارستيا هي شركةٌ مع أسقفها ومع الحبر الروماني. فالأسقف هو المبدأ المنظور وأساس الوحدة في كنيسته المحلية. من هنا، الاحتفال بسر الوحدة الكنسيّة دون وحدة مع من هو مبدأ الوحدة أمرٌ غير منطقي. يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: "الإفخارستيا الوحيدة الشرعية هي الإفخارستيا التي يترأسُها الأسقف أو من أنابه الأسقف". وفي نفس الخط، "فالحبر الروماني، بصفة كونه خليفة بطرس، هو المبدأ الدائم المنظور والأساس للوحدة التي تربط بين الأساقفة، وتربط بين جمهور المؤمنين" (الكنيسة 23). الشركة مع الحبر الروماني شرط أساسي للاحتفال بالذبيحة الإفخارستية. من هنا تأتي الحقيقة العمقية التي تعبّر عنها الليتورجيا: "يقام كل احتفال إفخارستي بالاتحاد ليس فقط بالأسقف، بل أيضا بالبابا وبالمصف الأسقفيّ، بجماعة الكهنة وبالشعب المؤمن. كلّ احتفال صحيح بالإفخارستيا يعبّر عن هذه الشركة الجامعة ببطرس وبالكنيسة، أو يصبوا إليها موضوعيا، كما هو الحال بالنسبة للكنائس المنفصلة عن روما".
 
40. الإفخارستيا تُوجِِد الشركة وتربِّي عليها. كتب بولس إلى مؤمني كورنتس وأظهر لهم كم تُناقِضُ خلافاتُهم ومشاكلُهم وتحزّباتُهم معنى الإفخارستيا التي يحتفلون بها. ونتيجة لذلك يدعوهم القديس بولس إلى إعادة التفكير في حقيقة سر الإفخارستيا ليعودوا إلى روحِ شركةٍ أخوية حقيقية. وهذا ما يقوله القديس أغوسطينوس أيضا في تعليقه على جمله القديس بولس: "أنتم جسد المسيح، انتم أعضاء هذا الجسد": "إن كنتم جسد المسيح وأعضاءه، فرمز ما أنتم عليه يوجد على هيكل الرب، انتم تتناولون سرّكم الخاص". والنتيجة التي يستخلصها أغسطينوس: "لقد قدّس الرب على المذبح سرّ سلامِنا ووحدتنا. ومَن يقبل سرّ الوحدة ولا يعيش في رباط السلام، فهو لا يقبل سرّ خلاصه، بل يقبلُ شهادةً تُدينه".
 
41. وهذا البُعد الوحدوي الخاص بالإفخارستيا هو أحد أسباب أهمية قدّاس يوم الأحد. وقد تحدّثت مطوّلا عن ذلك في رسالتي "يوم الرب". وقلت بالتحديد إن على جميع المؤمنين واجب خطير بالاشتراك في قداس يوم الأحد، ما لم يمنعهم عن ذلك سببٌ وجيه، كما قلت إنه على الرعاة أن يقوموا بكل جهد ممكن لجعل إتمام هذا الواجب ممكنًا وسهلا على المؤمنين. كما حاولت في رسالتي "الدخول في الألفية الثالثة"، والتي فيها رسمت خط الكنيسة الراعوي للقرن الجديد، أن أركز على ليتورجية يوم الأحد من حيث أنها "تُحقّق" الشركة :"فهي المكان المميز الذي فيه تُعلَن الشركة وتتغذّى. وهكذا، بالمشاركة في الإفخارستيا، يصبح يومُ الرب يومَ الكنيسة، والذي يمكن أن يكون وأن يعمل بفعالية كَسٍرّ وحدة".
 
42. المحافظة على الشركة وتغذيتُها واجب كل مؤمن، وهو يجد في الإفخارستيا، الذي هو سرّ وحدة الكنيسة، مكانًا مُميّزًا لإظهار محبته بشكل خاص. وهذا الواجب يقع بنوع أخصّ على رعاة الكنيسة، كلٌّ حسب موقعه وطبيعة عمله. لذا وضعتْ الكنيسة قوانين لتسهّل من جهة اقتراب المؤمنين من سرّ الإفخارستيا، ومن جهة أخرى لتحدّد الشروط التي من خلالها يتم الاقتراب من هذا السر.  وهذا القوانين هي تعبير عن المحبة الحقيقية للإفخارستيا وللكنيسة.
 
43. وفي اعتبارنا للإفخارستيا من حيث هي سرّ الشركة الكنسيّة، هنالك نقطة يجب عدم إغفالها، وهي علاقة الإفخارستيا بالالتزام المسكوني. نشكر الله الثالوث مرة أخرى لأن كثيرًا من المؤمنين شعروا في الفترة الأخيرة بحاجة ملحّة للوصول الى وحدة فعلية بين جميع المسيحيين. هذا، ولا شك، كما يقول المجمع المسكوني، نعمة خاصّة من الله. وهذا الالتزام شَمَلنا نحن، أبناء الكنيسة الكاثوليكية، كما شمل أبناء باقي الكنائس والجماعات المسيحية. وهذه الرغبة في الوحدة تجعلنا ننظر الى الإفخارستيا التي هي سرّ وحدة شعب الله، كما أنها أجمل تعابيره. وفي الاحتفال الإفخارستي، ترفع الكنيسة صلوات وابتهالات إلى الله، أبي المراحم، كي يعطي مؤمنيه ملء الروح القدس كي يصبحوا في المسيح جسدا واحدا ونفسا واحدة. والكنيسة، في ابتهالها إلى الله أبي الأنوار " الذي منه كل هبة صالحة"، تؤمن بفعالية هذه الصلاة، لأنها ترفعها إلى الله متّحدة بيسوع المسيح رأسها وعريسها، الذي يجعل من صلاته عروسه صلاتَه هو، ويوحّدُها مع ذبيحته الخلاصية.
 
44. ولأنّ وحدة الكنيسة التي تُحقّقها الإفخارستيا في ذبيحة المسيح وفي الاقتراب من جسد الرب ودمه الأقدسين، تفرض ضرورة الشركة الكاملة في الإيمان وفي الأسرار وفي قيادة الكنيسة، لا يمكن المشاركة في الذبيحة قبل الوصول إلى الوحدة الكاملة فيما ذُكر. وان حصَلت هذه المشاركة فهي لا تساعد الشركة بل تُعيق تحقيقها، لأنها تقلّل موضوعيّا من أهمية ما زال يفصل بين المسيحيين، وتتضمن أفكارا ضبابية وغير دقيقة حول هذه النقطة أو تلك من حقائق الإيمان. فالطريق نحو الوحدة لا يمكن أن يحصل إلاّ في الحقيقة. من هنا قوانين الكنيسة واضحة، ولا تترك مجالا للشك، وقد تطرّق إليها المجمع الفاتيكاني. أريد أن أضيف هنا ما قلتُه في رسالتي ليكونوا واحدا بعد أن اعترفتانه لا يمكن في الوقت الحاضر المشاركة في الذبيحة: "نحن أيضا تغمرنا الرغبة في الاحتفال المشترك بسرّ الإفخارستيا، وهذه الرغبة تصبح تسبيحا لله وتضرّعا. فنحن نتّجه معا نحو الآب الواحد ونقوم بذلك بقلب واحد".
 
45. وان كان متعذّرًا المشاركة في الإفخارستيا الواحدة ما دامت الوحدة التامّة لم تحصل بعد، فالأمر يختلف فيما يخص قبول المناولة، في ظروف خاصة، لأشخاص ليسوا في وحدة كاملة مع الكنيسة الكاثوليكية. الهدف هنا هو تلبية حاجة روحية تهمّ خلاص هؤلاء الأشخاص الأبدي، لا تحقيق مشاركة في القدسيات ما دامت الوحدة التامة غير واردة. هذا ما عناه المجمع عندما سمح لمسيحيّين شرقيين بالاقتراب من المناولة في الكنيسة الكاثوليكية، إن كانوا يتمتّعون بالاستعدادات الروحية المطلوبة. وهذا ما ورد أيضا في مجلة الحق القانوني اللاتيني والشرقي، مع تمديد للأمر لمسيحيين آخرين لا ينتمون إلى الكنائس الشرقية، بعد إدخال التعديلات اللازمة.
 
46. وقد تكلمت عن هذا الموضوع في رسالتي "ليكونوا واحدا". "انه سبب فرح أن يستطيع الكهنة الكاثوليك أن يمنحوا، في ظروف خاصة، أسرار الإفخارستيا والتوبة ومسحة المرضى لمسيحيين لا يتمتّعون بالوحدة التامة مع الكنيسة الكاثوليكية، ولكنهم يرغبون في قبول هذه الأسرار، ويطلبونها ويؤمنون بخصوصها بما تؤمن به الكنيسة الكاثوليكية. وبالمقابل، يمكن للمؤمنين الكاثوليك أن يقبلوا هذا الأسرار في كنائس غير كاثوليكية، في نفس الشروط وتحت نفس الظروف. من المهم عدم التهاون في المحافظة على جميع الشروط المذكورة، لأن الانتقاص من واحد منها، وخصوصا الشرط القاضي بوجود كاهن مرسوم لإقامة الإفخارستيا، يجعل قبول هذه الأسرار غير صحيح وغير شرعي. من هنا لا يُسمح لمؤمن كاثوليكي أن يقبل المناولة في جماعة كنسية ليس فيها كهنوت صحيح. إنّ المحافظة على هذه الشروط علامة على المحبة تجاه بيسوع المسيح الحاضر في سرّ القربان الأقدس، ونحو الإخوة المسيحيين في الكنائس الأخرى، الذين لهم الحق في أن نعطيهم شهادة الحقيقية، وأخيرا نحو قضية الوحدة المسيحية نفسها.
 
الفصل الخامس
كرامة الاحتفال الإفخارستيّ
47.من يقرأ نصّ تأسيس الإفخارستيا في الأناجيل الإزائية يُعجب من بساطة هذه النصوص ومن جدّيتها. وهنالك حدث يكوّن نوعا ما، تحضيرا مباشرة لذلك، وهو مسحةُ الطيب في بيت عنيا. امرأة، يقول يوحنا إنها مريم أخت لعازر، كسرت قارورة طيب غالي الثمن، ودهنت بها رأس يسوع. أثار هذا العمل احتجاج البعض، ومنهم يهوذا تلميذ يسوع، بحجة أن هذا تبذير في مالٍ كان يمكن استعماله للفقراء. أمّا رأي يسوع، فكان مختلفا. لا يُهملُ المسيح واجب مساعدة الفقراء، ويوصي بمساعدتهم – "الفقراء بينكم في كل حين" (متى 26،11)- لكنه يفكّر في حدث موته ودفنه القريبين، ويرى في مسحة الزيت استباقا للشرف الذي سيبقى جسدُه المائت يتمتع به، لكونه متحدا بسرّ شخصه. وحسب الأناجيل الإزائية، يتبع حدثَ بيت عنيا طلبُ يسوع بتهيئة عشاء الفصح، ومن ثم بوضع سر الإفخارستيا. ومع وجود بعض الرُّتب الخاصة بالفصح اليهودي، يذكر الإنجيليون الكلمات الجدّية والمعبّرة التي حوّل بها المسيح الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه. حصل ذلك من خلال رتبة كسر الخبز المعروفة والمستعمَلة في الكنيسة الأولى. لكن لا شك أن ما قامه به يسوع المسيح يوم خميس الأسرار، ولو أنه يرتكز أساسا على رتبة العهد القديم، يحمل بُعدًا جديدا يحتفل به كهنة العهد الجديد، على اعتبار ما حدث صباح القيامة.
 
48. وعلى مثال المرأة في بيت عنيا، لا تخاف الكنيسة من أن "تُبذّر" في سبيل الإفخارستيا، باذلةً أنفس ما تملك للتعبير عن إعجابها بهبة الإفخارستيا التي لا تُثمّن. وعلى مثال الرسل، الذين أعدّوا " القاعة الكبيرة" للاحتفال بالفصح، شعرت الكنيسة أنه من واجبها أن تحتفل، في كل زمان ومكان ولغة وثقافة، بسرّ الإفخارستيا، بما يليق به من كرامة وحفاوة. فقد ولدت الليتورجيا المسيحية من أعمال يسوع وأقواله، معتمدة على تراث العهد القديم الطقسي. كيف يمكن أن نعبّر بشكل مناسب عن هبة العريس ذاته لعروسه، واضعًا تحت تصرّف الأجيال المتعاقبة من المؤمنين، الذبيحة التي قدّمها مرة واحدة على الصليب، والتي بها جعل من نفسه غذاء لهم؟ وان كانت فكرة "المأدبة" تثير شعورا بروح العائلة، فالكنيسة تَبنّت هذه الفكرة، لكنها تصرّ على التأكيد أنها "مأدبة" مركزها ذبيحةٌ، مُعَلّمةٌ بالدم المهراق على جبل الجلجلة. المأدبة الإفخارستية مأدبة مقدّسة، يختبئفيها عمقُ قداسة الله التي لا يسبر غورَها أحدٌ، تحت أشكال بسيطة هي أشكال الخبز والخمر. يا للوليمة المقدسة، التي فيها يُعطى المسيح…" والخبز المكسور والمعطى غذاء لنا نحن السائرين نحو الوطن السماوي، هو خبز الملائكة الذي لا يمكن الاقتراب منه إلاّ بمشاعر قائد المئة في الإنجيل: "لا رب لست مستحقا لأن تدخل تحت سقفي" ( متى 8،8).
 
49. وإن وقَفنا على عمق سرّ الإفخارستيا، نفهم ان الكنيسة لم تكتف بأن تتعامل مع هذا السرّ بمواقف داخلية وروحية، بل أيضا بتعابير إيمانية خارجية تهدف إلى التعبير والتركيز على عظمة الأحداث المحتفل بها. من هنا بدأت مسيرة القوانين الليتورجية في الاحتقال بالإفخارستيا، حسب مختلف الطقوس الشرعية والمعترف بها. وعلى هذا الأساس عرفت الكنيسة تراثًا فنّيًا غنيا جدا: فالهندسة والنحت والرسم والموسيقى، وجدَت في سرّ الإفخارستيا، بشكل مباشر أو غير مباشر، منبع إلهام لا محدود. فالهندسة مثلا تطوّرت من البيوت التي كان يُحتفل فيها بالسرّ إبّان الاضطهادات، إلى البازيليكات في القرون الأولى إلى كاتدرائيات القرون الوسطى، ومنها الى الكنائس مختلفة الأحجام والأشكال التي تناثرت في الكنائس التي انتشر فيها الدين المسيحي. وهكذا قُل عن شكل الهياكل وبيوت القربان التي تطوّرت فنّيًا حسب ما يوحي به الإيمان نفسه. ونفس الأمر يُقال عن الموسيقى الكنسيّة، ونذكر مثلا الموسيقى الغريغورية، والمؤلفين الكُثر  لنصوص القداس وتراتيله. وأيضا فنّ تفصيل الملابس الليتورجية، التي تجمع بين القدسيّة والفن، حتى أن بعضها أصبح من التّحف النادرة. من هنا نقول أنّ الإفخارستيا شكّلت روحانية الكنيسة، وأثّرت في "الثقافة"، على الأقل في بُعدها الفنّي.
 
50. وقد تنافس الشرق والغرب في السجود وفي التعبير الطقسي والفني عن هذا السر العظيم. كيف لا نشكر الله على التراث الكنسي الغني جدا في الحضارة البيزنطيّة والسلافية؟ ففي الشرق حافظ الفن الكنسي على البُعد السرّاني العميق للإفخارستيا، بحيث اصبح الفنّ الكنسي تعبيرا عن الإيمان أكثر منه بحثًا عن الجمال. لذا وضع الفنّانون الشرقيون أنفسهم تحت الهامات روح الله، أكثر من الهامات فنّهم. إن روائع الفن الكنسي في الشرق والغرب هي تراث عام لجميع المؤمنين، وهي تحمل في طياتها تَوقًا إلى الوحدة المنشودة في الإيمان بين جميع المسيحيين. هذا يفترض، كما هو وارد في ايقونة الثالوث لروبليف، كنيسةً إفخارستيّة، حيث تكون المشاركة في الخبز الواحد المكسور على غرار المشاركة الموجوة بين أشخاص الثالوث، بحيث تصبح الكنيسة نفسُها ايقونةً للثالوث. وفي هذه النظرة التي تُعبّر في جميع عناصرها عن معنى الإفخارستيا حسب ما تعلّمه الكنيسة، يجدر الانتباه إلى القوانين التي تحدّد بناء الكنائس وأماكن العبادة. فهنالك مساحة واسعة من الحرية يتمتع بها الفنانون والمهندسون، وقد ذكرتُ ذلك في رسالتي إلى الفنانين. لكن  الفنّ المقدّس يجب أن يتمتع بمقدرة على التعبير اللائق عن السر المقبول في ملء إيمان الكنيسة وحسب التعليمات التي تُصدرها السلطات المختصّة. وهذا ينطبق على البناء كما ينطبق على الموسيقى.
 
51. وما تحقّق في الكنائس المسيحية العريقة في مجال الفن والموسيقى الكنسيّة، يتحقق أيضا في الكنائس الفتيّة. من هنا أتى تعليمُ الكنيسة حول عملية مثاقفة سليمة ومناسبة. وقد تسنّى لي أن أشاهد خلال سفراتي الراعوية الحيويةَ الكبيرة التي تتمتع بها الكنائس من حيث الشكل والأسلوب والحساسيات الخاصة بكل ثقافة. وهكذا تُقدّمُ الإفخارستيا المتأقلمة مع مختلف الحضارات غذاءً روحيّا لا للأفراد فقط بل للشعوب، لأنها "تَصيغ" حضاراتها نوعا ما حسب روح المسيح. ولا بدّ لجهد المثاقفة هذا أن يسير في الأمانة لِعَظَمة السرّ المُحتفى به. فالأمر من الخطورة بحيث لا يمكن السماحُ بإفقاره أو التقليل من قدسيته بسبب خبرات ناقصة لم تتحقّق الكنيسة من صلاحيتها بشكل كاف. ومن ناحية أخرى، ولأن مكانة الإفخارستيا مركزية في الكنيسة، لا بد من أن يكون للكرسي الرسولي كلمة في هذا المجال. وهذا ما قلته في رسالتي الكنيسة في آسيا: "هذا التعاون (بين الكنائس المحلية والكرسي الرسولي) أساسيّ لأن الليتورجية تعبّر عن الإيمان الواحد والذي يجاهر به الجميع، ولكونها جزء من التراث الكنسي الجامع، لا يمكن أن تحدّدها الكنائس المحلية وحدها دون الرجوع إلى الكنيسة الجامعة".
 
52. من هنا نفهم خطورة المسئولية التي يضطّلع بها الكهنة الذين يحتفلون بالإفخارتسيا باسم المسيح، ويعطون بذلك شهادةً وخدمةَ شركةٍ ليس فقط للجماعة التي تشترك في الذبيحة، بل للكنيسة بأسرها. ولا بدّ لنا من أن ندين بعض الممارسات الليتورجية التي تدلّ على سوء فهم للإصلاحات الليتورجية التي حصلت بعد المجمع الفاتيكاني. فقد حصلت بعض المبالغات، وكانت سببَ شكّ للكثيرين، إذ تصرّف بعضُهم بشكلِ لا يمتُّ إلى الروح الكنسيّة بصلة، وأدخلوا تجديدات مرفوضة ولا تنم أساسًا عن ذوق سليم. لذا أتوجه بنداء قوي كي يتمّ الاحتفال بسرّ الإفخارلاستيا في أمانة مطلقة للقوانين الليتورجية. فهذه القوانين تعبير عن الطابع الكنسي الحقيقي للإفخارستيا. هذا هو معناها العميق. فالليتورجيا ليست ملكَ أحد، لا ملكُ الكاهن المحتفل ولا ملكُ الجماعة التي تحتفل. وقد تكلّم بولس الرسول بعنفِ مع كنيسة كورنتس بسبب قلّة احترامها للاحتفال بالإفخارستيا. وفي وقتنا الحاضر، يجب الرجوع إلى احترام القوانين الليتورجية باعتبارها شهادة للكنيسة الجامعة التي تكون حاضرةً في كلّ احتفال بالإفخارستيا. فالكاهن الذي يقدّم الذبيحة والجماعة التي تحتفل بها حسب الطقوس المفروضة يعبّرون بصمت عن محبّتهم واحترامهم للكنيسة. لهذا السبب طلبتُ من الدوائر الفاتيكانية المختصة أن تعدّ وثيقة تذكّر فيها بالقوانين الواجب اتباعها في الاحتفال بهذا السر العظيم. لا يُسمح لأحد بأن يقلّل من الاحترام اللازم للسر الموضوع بين أيدينا. فهو أكبر من من يُسمح لأيّ شخص أن يتعامل معه كما يحلو له، دون احترام لطبيعته المقدّسة أو لبُعده الشامل.
 
التلمذة لمريم
المرأة "الإفخارستية"
53. إن أردنا أن نكتشف غنى العلاقة التي تجمع بين الإفخارستيا والكنيسة، لا يمكنُنا أن ننسى مريم العذراء، أم الكنيسة ومثالها. ففي رسالتي وردية مريم العذراء، وفي كلامي عن مريم العذراء كمعلّمة للتأمل في وجه السيد المسيح، وضعتُ تأسيسَ الإفخارستيا بين أسرار النور. تستطيع مريم أن تقودَنا نحو سرّ القربان الأقدس، لأن بينها وبينه علاقة عميقة وفريدة. ظاهريا، لا يذكر الإنجيل شيئا عن هذا الموضوع. فمساء خميس الأسرار، حيث أسس يسوع سرّ القربان، لا ذِكرَ لمريم. لكنّنا نعلمُ أنها كانت موجودة مع الرسل الذين كانوا "يصلّون بقلب واحد" ( أعمال 1، 14) في علية صهيون، في الجماعة المسيحية الأولى التي كانت مجتمعة بعد صعود الرب تنتظر حلول الروح القدس. ولا شك أنها كانت أيضا موجودة في اجتماعات الكنيسة الأولى التي كانت مواظبة على "كسر الخبز" (أعمال 2، 42). نستطيع التقدّم أكثر في تفكيرنا ونتكلم عن العلاقة بين مريم والإفخارستيّا انطلاقًا من مواقف مريم الداخلية. فمريم امرأة إفخارستيّة في حياتها بأكملها. والكنيسة المدعوة إلى النظر إلى وجه مريم كما إلى مثال، مدعوة أيضًا إلى الاقتداء بها في علاقتها بهذا السر المقدس.
 
54. هذا سر الإيمان! إن كانت الإفخارستيا سرّا إلهيًّا يفوق إدراكَنا ويحملُنا على الاستسلام بمحبة إلى كلمة الله، فلا يوجد أفضل من مريم العذارء في هكذا خطوة. عندما نقوم بما أمرنا به المسيح يوم خميس الأسرار "اصنعوا هذا لذكري"، نقبل في نفس الوقت طلب مريم في أن "نعمل كل ما يطلبه منا" ( يوحنا 2، 5). تقول لنا مريم كما فعلت في عرس قانا الجليل: "لا تتردّدوا، ثقوا بالكلمة التي يقولها ابني. فهو الذي استطاع أن يحوّل الماء خمرا، يستطيع أيضا أن يحوّل الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه، معطيا بذلك للمؤمنين ذكرى القيامة الحيّة، ليصبح هو "الخبز الحيّ".
 
55. وقد مارست مريم، نوعا ما، إيمانها الإفخارستي قبل تأسيس الإفخارستيا، عندما قدّمت حشاها البتولي مسكنا لكلمة الله المتجسّد. فالإفخارستيا تُعيدنا إلى سر موت الموت وقيامته، لكنها توجد أساسًا في خط التجسد. ففي التجسد حبلت مريم العذراء بالمسيح الحقيقي، بجسده ودمه، محقِّقة في ذاتها ما سيحدث لكلّ مؤمن سيقبل فيما بعد جسد المسيح ودمه في المناولة. هنالك إذا تشابهٌ عميق بين كلمة هاءنذا  التي قالتها مريم في البشارة، وكلمة آمين التي يقولها المؤمن قبل ان يتناول جسد المسيح. فقد طُلب من مريم أن تؤمن أن من تَقبله في أحشائها الطاهرة هو ابن الله، ونحن يُطلب منّا أن نؤمن أن مَن نقبُله في القربان هو حقا ابن الله بجسده ودمه الحقيقيين. "طوبى لمن آمنت" ( لوقا 1، 45). استبقت مريم في سرّ البشارة إيمانَ الكنيسة الإفخارستيّ. فعندما كانت تحمل في أحشائها ابن الله المتجسد أثناء زيارتها لخالتها أليصابات، أصبحت، نوعا ما، بيت قربان، أول بيت قربان في التاريخ. وفي بيت القربان هذا عُرض ابن الله الذي لم يكن يراه أحد، لسجود أليصابات، التي أشعّ النور من قلبها وعيونها من خلال عيون وصوت مريم العذراء. ونظرة مريم المتأملة في ابنها المولود حديثا، والذي تحتضنه في ذراعيها، أليس ذلك مثالا للمحبة الفريدة التي يجب أن تتجلّى في كل جماعة إفخارستية؟
 
56. وخلال حياتها بقرب يسوع، علاوة على وجودها تحت الصليب، تبنّت مريم بُعد التضحية الإفخارستي. فعندما حملت ابنها إلى الهيكل لتقدّمه للرب (لوقا 2، 22)، سمعت من سمعان الشيخ أن هذا الطفل سيكون حجر عثرة وسبب تفرقة وأن سيف الحزن سيجتاز قلبها ( لوقا 2، 34-35). هكذا، استبقت هذه النبؤةُ مأساةَ الصليب، ومشهد مريم "الأم الوجيعة". وبينما كانت مريم تهييّ نفسها يوما بعد يوم لمأساة الصليب، عاشت "إفخارستيا مسبّقة" أي "مناولة روحية" تملأها الرغبةُ في تقدمة الذات، تقدمةً ستصل إلى اكتمالها تحت الصليب، وتتتابع بعد القيامة بالمشاركة في الإفخارستيا التي كان الرسل يقيمونها "ذكرى" لآلام الرب. كيف يمكننا تخيّل مشاعر مريم عندما كانت تسمع من فم بطرس ويعقوب ويوحنا كلمات يسوع يوم خميس الأسرار: "هذا هو جسدي، هذا هو دمي"؟ فهذا الجسد المبذول هو نفس الجسد الذي حملته هي في أحشائها الطاهرة. وقبولها جسد المسيح القرباني كان يعني بالنسبة لها قبول مَن كان قلبُها ينبض على ايقاع قلبه، وإعادة لما عاشته تحت الصليب.
 
57. "اصنعوا هذا لذكري" (لوقا 22، 19). في ذكرى الجلجلة هذه يوجد كلّ ما قام به المسيح في آلامه وموته. لذا، ما عمله المسيح لأمه، يعملُه لنا نحن أيضا. فقد عهد إليها بتلميذه الحبيب، وفي هذا التلميذ عهد إليها بكل واحد منّا. "هذا ابنك"، كما يقول لكل واحد منّا : "هذه أمّك" ( يوحنا 19، 26-27). الحياة في الإفخارستيا، التي هي ذكرى موت المسيح يفترض أيضا أن نقبل هذه الهبة بشكل مستمر. كما يفترض أن نأخذ إلى "خاصّتنا"، كما فعل يوحنا، تلك التي تُعطى لنا أُمًا كل يوم. ويفترض ذلك أيضا أن نلتزم بأن نتشبه كلّ يوم بالسيد المسيح، جاعلين من أنفسنا تلاميذ لمريم وطالبين منها أن ترافقَنا. فمريم موجودة في كل احتفالاتنا الإفخارستية، مع الكنيسة ولكونها أم الكنيسة. فإن كانت الكنيسة والإفخارستيا أمرين لا ينفصلان، هكذا مريم والإفخارستيا. لهذا السبب تذكر جميع الليتورجيات، الشرقية والغربية، مريم العذراء في الاحتفال الليتورجي منذ قديم الزمان.
 
58. في الإفخارستيا، تتّحد الكنيسة بذبيحة المسيح، وتتبنّى روح مريم. وهذه حقيقة يمكن التعمق فيها إن نحن تأملنا في نشيد "تعظم نفسي الرب" من منظور إفخارستيّ. فالإفخارستيا، كنشيد مريم، هي قبل شئ نشيد تسبيح وشكر. فعندما هتفت مريم: "تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي"، كان يسوع في أحشائها. فهي تسبح الآب "على" يسوع، لكنها تسبّحه أيضا "في" يسوع و "مع" يسوع. وهذا موقف إفخارستيّ أصيل. وفي نفس الوقت تذكر مريم عظائم الله في تاريخ الخلاص، كما وعد الآباء ( لوقا 1، 55). وتبشّر بعمل عظيم يفوقها كلَّها، أعني التجسّد الفادي. وأخيرا، تتكلم مريم في نشيدها عن التوق الأخروي للإفخارستيا. فكل مرّة يقدّم ابن الله ذاته لنا تحت أشكال الخبز والخمر "الفقيرة"، يزرع في العالم بذور التاريخ الجديد الذي "يُنـزل الأقوياء عن العروش" و"يرفع المتواضعين". تنشد مريم السماء الجديدة والأرض الجديدة التي تجد في الإفخارستيا عربونا لها. وإذا كان نشيد "تعظّم" تعبيرا عن روحانية مريم العذراء، فلا شئ مثل هذه الروحانية بوسعه أن يساعدنا في عيش سرّ الإفخارستيا. يُعطينا المسيحُ الإفخارستيا كي تصبح حياتُنا كلها، كحياة مريم، نشيدَ "تعظم" لا ينتهي.
 
الخاتمة
59. "أيها الجسم الحقيقي، يا ابن مريم السلام!". احتفلتُ قبل بضع سنوات بيوبيلي الكهنوتي الذهبي. وأشعر أنها نعمة من الله أن اقدّمَ للكنيسة هذه الرسالة عن الإفخارستيا في السنة الخامسة والعشرين من خدمتى كخليفة بطرس. هذا أمرٌ يملأ قلبي بمشاعر عرفان الجميل. فمنذ أكثر من نصف قرن، منذ يوم 2/11/1946، يوم احتفلت بقداسي الأول في كنيسة كراكوفيا، تركّزت عيناي على البرشانة والكأس الذين يحتويان نوعًا ما مجمل التاريخ، واللذان يجددان حدث الجلجلة ويشيران إلى تزامنه مع الحاضر. وساعدني إيماني يوما بعد يوم في أن أرى في الخبز والخمر المكرّسين، ذاك المسافر الذي رافق تلميذي عماوس ليفتح عيونهم وقلبهم على الرجاء (راجع لوقا 24، 13-35). أيها الاخوة والأخوات الأعزاء، اسمحوا لي، في تعبير فرح عميق، وفي فعل اتحاد وتثبيت لإيمانكم، أن أشارككم خبرة إيماني الشخصي في سر الإفخارستيا. "أيها الجسم الحقيقي ، يا ابن مريم السلام…" هنا يوجد كنـز الكنيسة، وقلب العالم، العربون الذي اليه يتوق كل إنسان، ولو بشكل غير واعي. عظيم هذا السر. ويفوق إدراكنا ويتحدّى طاقات فكرنا في مقدرتها على تخطّي المظاهر المحسوسة. هنا، لا مجال للحواس :" ضلّ طرفي ثم لمسي وذوقي". لكن إيماننا المؤسس على كلمة الله يكفي. اسمحوا لي أن أقول للمسيح باسم الكنيسة ما قاله له بطرس بعد الكلام عن القربان: "إلى من نذهب يا رب وكلام الحياة الأبدية عندك؟" (يوحنا 6، 68).
 
60. في بداية الألفية الثالثة، نحن أبناء الكنيسة، مدعوّون إلى السير بحيوية متجدّدة في الحياة المسيحية. كتبتُ في رسالتي الدخول في الألفية الثالثة : "المطلوب ليس أن نخترع برنامجا جديدا. فالبرنامج موجود. وهو برنامج كل زمان ومكان، المأخوذ من كلمة الله ومن تقليد الكنيسة الحيّ. وهو متمحور في النهاية حول شخص يسوع المسيح الذي ينبغي أن نعرفه ونحبه ونفتدي به لنعيش فيه حياة الثالوث ولنغيّر معه التاريخ إلى حين مجيئة الثاني في أورشليم السماوية". وتحقيق هذا البرنامج بحماس متجدد يمرّ بالإفخارستيا. كل التزام نحو القداسة، وكلّ عمل يتوق إلى تحقيق رسالة الكنيسة، وكلّ برنامج راعوي يجب أن ينهل من سر الإفخارستيا القوّة اللازمة ليسير نحو المسيح كهدف. ففي الإفخارستيا، نحصل على يسوع وعلى ذبيحته الخلاصية وعلى قيامته وعلى الروح القدس وعلى السجود والطاعة والمحبة نحو الآب. فإن أهملنا الإفخارستيا، كيف يُمكننا ان نحصل على دواء لضعفنا؟
 
61. إن السرّ الافخارستي – الذبيحة والحضور والوليمة- لا يقبل انتقاصًا ولا تلاعبًا. يجب أن يُعاش بشكل كامل، سواء كان ذاك في الاحتفال الليتورجي او في علاقة الصلاة الحميمة بعد المناولة، أو في السجود للقربان خارج وقت القداس. عندئذ تُبنى الكنيسة بشكل قوي وتعبّر عن جوهرها: واحدة جامعة مقدسة رسولية. شعب، هيكل الله وعائلة الله، جسد المسيح وعروسه، يحييها الروح القدس، سرّ خلاص شامل وشركة مؤسّسة ايرارخيّا. والطريق التي تسلكه الكنيسة في بداية الألفية الثالثة هو طريق في الالتزام المسكوني. السنوات الأخيرة من الألفية الثانية، والتي كانت احتفالات اليوبيل الكبير تتويجا لها، دفعتنا في هذا الطريق، وشجّعت المؤمنين أن يتجاوبوا مع صلاة يسوع "ليكونوا واحدًا" (يوحنا 17، 11). الطريق طويل، وملئ بالعقبات التي تفوق قدرة البشر، لكن الإفخارستيا معنا، ولذلك نستطيع بقوة وجودها أن نسمع في داخلنا، كما لو كانت موجهة إلينا، الكلمات التي سمعها إيليا النبي : ”قم فكلْ، فإن الطريق طويلة أمامك" ( ملوك 1، 19،7). إن الكنـز الإفخارستي الذي وضعه المسيح تحت تصرّفنا، يدفعنا نحو هدف المشاركة التامّة في هذا الكنـز مع جميع اخوتنا الذين يشاركونا في المعمودية الواحدة. وفي نفس الوقت، كي لا نبذّر هذا الكنـز، يجب احترام ما هو مطلوب عمليا في ممارسته، لأن سرّ الإفخارستيا هو سرّ الشركة في الإيمان وفي الخلافة الرسولية. وعندما نعطي الإفخارستيا الأهمية التي تعود إليها، وعندما نسهر على أن لا نقلّل من متطلباتها وشروط قبولها، فإننا نعبّر أننا واعون لعظمة هذه الهبة. كما نضع أنفسنا في خط الأمانة لتقليد كنسيّ قديم  حافظ باستمرار وغيرة على هذا "الكنـز". والكنيسة، تدفعها المحبة، مهتمّة بأن تسلّم إلى الأجيال القادمة الإيمان والعقيدة الخاصتين بهذا السر، دونما أيّ نقصان. ولا نخاف من أن نبالغ في الانتباه لهذا السر، لأنه " في القربان يتلخّص سر فدائنا" (توما الأكويني).
 
62. لنضع أنفسنا، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، في خط القديسين الذين تكلّموا بجدارة عن التعبّد الإفخارستي. ففي كلامهم، تكتسب الإفخارستيا جمال وبهاء الحياة المعاشة، وتتغلغل فينا وتُضرمنا. ولنستمع بالخصوص إلى مريم العذراء التي يظهر فيها، أكثر من أي شخص آخر، سر الإفخارستيا كسرّ نور. وفي التجائنا إليها، نختبر قوّة الإفخارستيا التي تحوّلنا من الداخل. وفيها نرى العالم يتجدّد بالمحبة. وفي تأملنا فيها، هي التي انتقلت إلى السماء بنفسها وجسدها، نكتشف شيئا من "السموات الجديدة" ومن "الأرض الجديدة" التي ستنفتح أمامنا بعودة المسيح. فالإفخارستيا على الأرض عوبون لذلك واستباقا له بشكل ما: "تعال أيها الرب يسوع!" (رؤيا 22، 20). وتحت أعراض الخبز والخمر التي تحوّلت جوهريا إلى جسده ودمه، يسير يسوع معنا، هو غذاؤنا وزادنا، ويجعل منّا شهود رجاء لإخواننا. وإن كان عقلُنا يشعر بمحدوديّته أمام هذا السر، فإن قلبنا الذي ينيره الروح القدس، يفهم ما يجب أن يكون موقفه: أن "يتلاشى" خشوعا وسجودًا في محبة لا محدودة. لنتبنَّ مشاعر القديس توما الأكويني، اللاهوتي المتميّز والمتعبّد الكبير لسر القربان، ولنفتح نفسنا على التأمل في الهدف المرجوّ والذي إليه يتوق قلبنا، بجوعه وعطشه إلى الفرح والسلام:يا يسوع المختفي نصب عيني ، إنني أرجوك هبني مرامي ، رؤيتي إياك وجها لوجهناظرا مجد السما للدوام.
أعطي في روما، بقرب القديس بطرس، في 17/4/2003، يوم خميس الأسرار، في السنة الخامسة والعشرين لحبريتي، وفي سنة الوردية.
يوحنا بولس الثاني
نقلاً عن موقع كنيسة يسوع الملك – المصدار