digiuno

كنيسة السيدة العذراء للأقباط الكاثوليك

لوس انجلوس-كاليفورنيا

تقديم

“تأملات روحية في زمن الصوم الكبير” هـو إضافة جديدة لما سبق إصداره من قبل لـمجـموعـة من برامج الصلوات العائلية التي قـد أعددتهـا بارشاد الروح القدس للصوم الكبير منذ عام 2007. وفي هذا العام نجد تأملات استعداداً لفصحنا المجيد وذلك من اجل بنيان بعضنا البعض وتعميق الوحدة الأسرية فى المسيح يسوع وفى ضوء دستورنا السماوي وما حملناه من تقاليد تعلمناها وعشناها مع شفيعنا مثلث الرحمات الأنبا أغناطيوس يعقوب ومع والدينا وفى أسرنا. فأشكر الرب من أجـل نعمة وبركة وموهبـة روحـه القدوس التى منحنـا إياهـا مـن أجل الوصول معا الي وطننا السماوي. أطلب من الرب أن يكون هذا الكتاب سبب بركة روحيـة للجميع.                                                       

                             الشماس نبيل حليم يعقوب

لوس أنجلوس فـى فبراير 2017

 

 

الفهرس

  1. مقدمـة ………………………………………… 6
  2. اربع الرماد -اول مارس 2017……………… …………. 8
  3. حياتنا هي رحلة الى الله………………………….. 11
  4. الله وحده يكفي…………………………………. 14
  5. الحق والحيـاة ………………………………….  16

الأسبوع الأول

  1. الأحد – التجربـة في البريـّة………………………….19
  2. الأثنين – جاع وهو الذي يطعمني …………………. 23
  3. الثلاثاء – آبــونا………………………………..   28
  4. الأربعاء – آيـة يونان النبي ……………………….   31
  5. الخميس – النيـّر…………………………. 36
  6. الجمعة – الصلاح المسيحي ……………….. 39
  7. السبت – احبوا أعدوّكم ……………………. 43

الأسبوع الثاني

  1. الأحد – هذا هو ابني الحبيب …………….     45
  2. الأثنين – وستُغفر خطاياك ……………….. 47
  3. الثلاثاء – صوت بلا بوق ………………….  51
  4. الأربعاء – لا ليُخدم …………………….. 54
  5. الخميس – ارميا -مثال المسيح ……………. 57
  6. الجمعة – المستأجرين الأشرار ……………… 59
  7. السبت – محبة الله للخطأة التائبين …………… 63

الأسبوع الثالث

  1. الأحد – في الروح والحق …………………. 66
  2. الأثنين – صمت المسيح …………………… 71
  3. الثلاثاء – المصالحة ……………………… 77
  4. الأربعاء – لا حرف أو نقطة ستسقط …………. 80
  5. الخميس – كاهن ونبي وملك ……………….. 82
  6. الجمعة – الوصية العظمى …………………. 86
  7. السبت – بالمسيح يسوع ربنا ………………… 89

الأسبوع الرابع

  1. الأحد – الحياة الخفيّة في الله (1) …………… 91
  2. الأثنين – الحياة الخفيّة في الله (2) ………….. 94
  3. الثلاثاء – الحياة الخفيّة في الله (3) ……….. 97
  4. الأربعاء – الله وحياة الروح ………………… 100
  5. الخميس – شهادة المعمدان …………………. 103
  6. الجمعة – نحو اورشليم …………………….. 107
  7. السبت – لم يتكلم انسان قط مثل هذا ……….. 111

الأسبوع الخامس

  1. الأحد – إقامة لعازر ……………………. 112
  2. الأثنين- لا تدين كي لا تُدان ……………… 118
  3. الثلاثاء – الفريسيون …………………….. 121
  4. الأربعاء – الكتبـة ………………………… 122
  5. الخميس – يسوع المحكوم عليـه ……………. 126
  6. الجمعة – المسيّا الحقيقي ………………… 129
  7. علامة للمقاومـة ……………………….. 133

الأسبوع المقدس

  1. الأحد – دخول الرب الي أورشليم ………….. 136
  2. الأثنين – المسحة ………………………. 140
  3. الثلاثاء – الخيـانة ………………………. 145
  4. الأربعاء – غسل خطايانا ………………… 152
  5. الخميس المقدس: الافخارستيا …………….. 154
  6. الجمعة العظيمة: الآلام …………………. 164
  7. السبت المقدس: ملخص الحيـاة …………… 175
  8. أحد القيامة……………… …………. 182

 

 

المقدمـــة

«يَا سَيِّدُ، أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟»(لوقا23:13) هذا السؤال الذى سأله أحدهم في قلق للسيد المسيح عندما مرّ في طريقه الى اورشليم حيث الآلام والموت، ولكن في نفس زمن الأنجيل يوجد سؤال آخر يعتبر من الأسئلة الهامة في تاريخ البشرية والذي طرحه السيد المسيح نفسه: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» (متى15:16) وعندما أجاب القديس بطرس هامة الرسل وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!»(متى16:16) وأيضا منا نحن أيضا حينئذ تتوجه افكارنا نحو موضوع هام وصادق الا وهو “الخلاص”.

ان يسوع لم يجيب على سؤال الرجل على الأقل كما وُجه بل توجه مباشرة الى القلب وحوله إلى سؤال شخصي يدعنا امام إختبار حقيقي «اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ”(لوقا24:13). يمكننا ان نفهمه بطريقة أخرى وهو يقول لكل منا:” انت أعطيت قلبك لي وهذا الشيئ مطلوب فلا تسمح لإهتماماتك او أشواقك ان تبعدك عني وعن كلماتي وعن قلبي الأقدس. أنا الراعي الصالح الذي لن يتركك ابداً ففي حب أنا سأقدم حياتي لك على جبل الجلجلثة، فهل في حب ستقدم حياتك لي ولا تحسب التكلفة؟ هذا هو اثبات الصداقة والحب والأخوة ان تعطي ذاتك بكليتها. انا هو الباب فإذا دخلت بي ستخلص. انت تقول اني انا الرب، المسيّا فالآن اعطي هذا الإيمان جسداً في حياتك، واتبعني الى أورشليم””.

ان الصوم هو رحلة لجسد المسيح السري الى اورشليم لإتمام سر الخلاص. نحن نرغب ان نصتحب يسوع ولكننا لا نسمح في بساطة انه يغير طريقنا. ان اهتمامنا لخلاصنا الأبدي يجب ان يكون له الأهمية العاجلة في حياتنا ولكن ليس كما كانت مرتا “تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ”(لوقا41:10). يمكننا ان نرى الخلط والتجاهل ومشاغل العالم كمثل ذاك الرجل الذي وجه سؤاله للسيد المسيح. ان الرجل السائل كما جاء في الانجيل راى التحدي واصبح ضعيف القلب ولكن يسوع نظر الى عيون الشخص وغيّر في قلبه الغرض والهدف وبث فيه القوة والسلام والرجاء وكأنه يقول: “لا تخف بما تراه في هذا العالم الساقط والى ضعفك البشري فقط سر معي واترك نار قلبي تغيرك”

ان هذا الكتاب وبنعمة الروح القدس سيساعدنا في رحلة الصوم الى اورشليم مع الراعي الصالح بما يحويه من تأملات روحية وقراءات مما يلقي الضوء خاصة لإحتياجاتنا ولكي نتغير ونرحم ونغفر لمن اخطأ وآساء إلينا حتى يمكننا ان نحصل على رحمة الله.

يا يسوع ان اقدم ذاتي لك لكي تجعل رحلتي معك وبك وفيك في هذا الصوم المبارك، فيا مخلصي الحبيب اقبلني كرفيق طريق للجلجلثة حتى التقي معك بالآب السماوي وبإتحاد الروح القدس لأحيا الى أبد الأبدين. آمين.

 

 Ash Wednesday        أربع الرمـاد –  

 

 

صل الى الله في الخفاء

جاء اذا ما صليّت “فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ”(متى6:6) هذا يعني الى اكثر

الأماكن في بيتك او بالأحرى الى اكثر مكان محبب في قلبك وراجع نفسك تماما “اغلق بابك”، اغلق كل مشاعرك وى تسمح باي أفكار غريبة ان تدخل “وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ” افتح قلبك الى الله وحده واجعله يدخل الى أعماق نفسك واحزانك. “لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ” (متى7:6) فليس من الضروري ان تقول للرب احتياجاتك في خطاب مطول لأنه يعرفها كلها قبل حتى ان تنطق بها، قل له في حدود ما تراه يفيدك وراجع نفسك امام الله. ان صلوات الأمم التي لا تعرف في الحقيقة من هو الله هي كومة من العبارات التي ليس لها معنى. قل قليلا بشفتيك وكثيرا بقلبك. لا تكثر من افكارك فهي ستحيرك وتصيبك بالتعب. اذكر نيتك والتي تشغل مكانة هامة في عقلك وقلبك.  

ان الله يراك في الخفاء فاعرف انه يراك ويرى اعماقك وعمق رغباتك اكثر من نفسك فقدم فعل ايمان بسيط في حضرته وقدّم ذاتك بكليتها امام رحمته ونعمته فهو قريب وهو حاضر وهو الذي بيده كل الأشياء. فيجب ان تؤمن اكثر وتحيا بهذا الإيمان انه يعطيك كل شيئ حسن وجيّد ويهبك كل عطية صالحة وفِكر نيّر ومستنير وحلول حكيمة وكل فعل حق منذ البدء وحتى النهاية. عليك ان تؤمن في قلبك انه روح الحق وانه يعطينا قبل أن نسأله في كثير من الأحيان وهو الذي يسكن فينا فهذا هو وعده ” «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً”(يوحنا23:14). انه هناك في المزود وبطريقة دائمة فلقد صنع منزله هناك فأرغب في انه يسكن فيك بتلك الطريقة فقدّم نفسكك له كمسكناً وكهيكلاً دائماً.

والآن اخرج من مخدعك بنفس ذلك الإيمان الذي يعاونك ان ترى الله فيك أولا وأنظر اليه في السماء وفي كل الخليقة التي تظهر مجده تعالى وأيضا من خلال كل الذين يحبهم فهو هناك ينتظرك فاسرع واكسر قيودك التي تربطك الي اسفل في الجسد والعالم وحلّق نحوه فهو ينتظرك فاتحا ذراعيه ليستقبلك كما انت فلا تخجل ولا تخف فهو الله الذي يحبك ويرعاك.

يا الله، متى يمكنني ان أراك؟ متى سيكون لي قلب نقي طاهر لكي أعاينك وآراك في كل شيئ؟ أيها النور الذي يضيئ العالم،  أيها الحياة التي تعطي الحياة لكل الأشياء، أيها الحق الذي يغذينا جميعا، أيها الصالح الذي يرضينا جميعا، أيها الحب الذي يربطنا معا، اسبحك يا أبي السماوي الذي يراني في الخفاء. آمين.

 

 

 

 

الخميس ما بعد اربع الرماد

حياتنا رحلة نحو الله

فلنقرأ كلمات القديس يوحنا اللاهوتي: “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”(يوحنا1:13). نحن نعلم ان  كلمة “الفصح” تعني رحلة.احد الأسباب لهذا الاسم ان عيد الفصح وُضع عندما خرج الشعب المختار من مصر لكي يذهبوا الى الأرض الموعودة من الله للأباء وكانت هذه صورة رمزية للرحلة التي سيقوم بها بعد ذلك الشعب المختار الى منزلهم في السماء. ان الحياة المسيحية كلها تتكون في صنع مثل تلك الرحلة كارشاد الرب وحسبما كتب لنا القديس يوحنا. اول شيئ اننا يجب ان نصنع هذا الفصح زهذه الرحلة مع يسوع المسيح، ولهذا السبب بدأ الإنجيلي هذه الرحلة بقوله “قبل الفصح ويسوع عالم من ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم الى الأب”.

يا يسوع ها اني اقدم نفسي لأقوم برحلتي بصحبتك فأرغب ان أترك هذا العالم معك الى أبوك السماوي حيث رغبت أنت. قال أحد رسلك:” وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ”(1يوحنا17:2) وأيضا “لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ.”(1كورنثوس31:7) ولكنني لا أرغب ان أنتهي وأزول مع هذا العالم ولكني أرغب أن أعبر الى أبيك السماوي، هذه هي الرحلة التي علي أن أٌقوم بها وأريد ان أقوم بها معك أنت. في الفصح القديم فاليهود لكي يتركوا مصر الي الأرض الموعودة كان عليهم ان يقدموا انفسهم في رداء الرحالّة وأَحْقَاؤُهُمْ مَشْدُودَةٌ، وَأَحْذِيَتهُمْ فِي أَرْجُلِهُمْ، وَعِصِيُّهمْ فِي أَيْدِيهم”(خروج11:12)، تلك هي الصورة والحالة التي يجب ان يكون عليه المسيحي لكي يقوم برحلة فصحه مع يسوع لكي يعبر معه الى ابوه السماوي، فيا مخلصي الحبيب اقبل رحالتك فانا مستعد لا امسك شيئا وأريد ان اترك هذا العالم معك وان اذهب الى الأب. لماذا اتردد في

الترك؟ فانا مازلت متمسك بهذه الحياة ما الخطأ الذي يربطني بمكان

السبي هذا؟ انت سترحل يا مخلصي ولكنني ما زلت متعلق ببعض الأشياء ولهذا اضطرب عندما يقال لي ان اترك كل شيئ.

يا أيها الرحالة الجبان لم الخوف؟ ان الرحلة التي يجب عليك اخذها هي نفسها التي سيقوم بها المخلّص كما يذكر انجلينا، فهل انت خائف من ان تذهب معه؟ اذن اصغ وتأمل في هذا: علم يسوع ان ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم”. ما هو الشسئ المحبب في هذا العالم حتى يجعلك غير راعب ان تتركه لترحل مع يسوع المخلص؟ فهل كان يمكنه ان يتركه اذا ما كان فيه شيئا صالحا فيبقى؟ فلننصت نحن المسيحيين يسوع ترك هذا العالم لينتقل للأب السماوي فاذا كان من الضروري ان يترك هذا العالم ليذهب الى مكان ما فبالأحرى ان يكون ذاك المكان افضل جداً، فنحن المسيحيين لن نذهب الى مكان آخر بل اننا سنعود الى موطننا الأصلي الا وهو السماء حيث منزلنا الوالدي. فلنرحل من هذا العالم بفرح ولكن علينا الا ننتظر ساعة فراقنا او نهاية حياتنا على الأرض لنقوم بتلك الرحلة بل نبدأ الرحلة ونحن ما زلنا نحيا على هذه الأرض، ارض العربة. عندما ترك الاسرائليون ارض مصر لم يصلوا على الفور الى ارض الميعاد بل قضوا أربعين سنة في البرية واحتفلوا بفصحهم لأنهم تركوا مصر وبداية رحلتهم. فلنتعلم ان نحتفل بفصحنا من اول خطوة في بدء رحلة الصوم. فلنجعل رحلتنا استعداد دائم ولا نتوقف ابدا ولا نبقى في مكان واحد ثابت بل لنضع خيامنا مثال الاسرائليون ولنحيا داخل الخيام والمنازل ونحن في حالة يقظة واستعداد مستمر ولنمت عن العالم “لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ”(يوحنا19:15) ولنردد قول بولس الرسول: الَّذِي لِي فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا، أَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ”(1كورنثوس31:15)، وانما نحن نعبر فترة الحياة ولا نمتلك شيئا ثم نعود لحضن الأب.

 

الجمعة ما بعد اربع الرماد

الله وحده يكفي

 

«يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا»(يوحنا8:14). الله وحده يكفي وكل ما نريده ان نمتلكه وان نراه لأننا برؤيته سنرى صلاحه العظيم والكامل كما شرح هو لموسى قائلا: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ”(خروج19:33). سنرى كل ما يجذب حبنا اليه ونحبه فوق كل الحدود، فلننضم مع القديس فيليبس ونطلب من كل قلوبنا “يا يارب ارنا الأب وكفانا” فهو وحده سيملأ فراغنا ويسدد كل احتياجاتنا ويحتوينا ويفرحنا. فلنفرغ قلوبنا اذا من كل الأشياء فالأب وحده يكفي عندئذ فلن نحتاج الى سلعة ما او شهوة جسدية او ثروة خارجية او حتى مديح حسن من الأخرين. نحن لن نحتاج حتى لهذه الحياة الفانية فكيف يمكننا اذن ان نحتاج حتى الى الأشياء الضرورية للبقاء فيها؟ نحن نحتاج فقط الى الله وحده وهذا يكفي.  كم كانت تلك الكلمات للقديس فيليبس مشجعة للغاية لنقولها بكل صدق ويجب ان نقدر ان نقول مع الرسل: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟»(متى27:19). على الأقل يجب ان نترك كل شيئ يتعلق يالعاطفة والرغبة الإرادة حتى انه بقرار لا رجعة فيه ان نتمسك بلا شيئ او نعتمد على أي شيئ سوى الله وحده. سعداء من هم ينفذون هذه الرغبة حتى مداها والتخلي النهائي والكامل. ويدعونا الله لتسليم الحياة للآب (مت 6: 24- 34). “لا تهتموا لحياتكم… لا للأكل، ولا للباس، ولا للجسد… لا تهتموا للغد”. والسبب في عدم الاهتمام هو أن ” أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها” (مت 6: 32).  لا يمكننا ان نكون مسيحيين حقيقيين ان لم نكن مثل القديس فيليبس في طلبه بصدق: ارنا الأب وكفانا، فلأب هو أبونا الذي يحفظنا ويرعانا ولهذا فمعه لا نريد شيئا ارضياً ولهذا ما اذا ابتعدنا عنه ينتابنا القلق والخوف والتعاسة. ان كلمات القديس فيليبس تعلمنا كل شيئ فهو يحد نفسه في كلمات يسوع التي ترينا الطريق والحق والحياة فبه وحده فقط نصل للأب السماوي.

يارب انت هو الطريق، أنا آت اليك لأجد نفسي مرة أخرى واردد مع رسولك “ارنا الأب وكفانا”. آمين.

 

السبت ما بعد اربع الرماد

الحق والحيــاة

“أنا هو الحق والحيـاة”(يوحنا6:14)

+ أنا هو الكلمة التي كانت في البدء، كلمة الله الأزلي، حكمته، النور الحقيقي الذي ينير كل انسان(يوحنا9:1). انا هو الحق نفسه والضمان والتعضيد والحياة لمن يصغي لي. انا هو الحياة، نفس الحياة التي في

الأب الأزلي.

من أسس الإيمان انه يجب ان نكون على يقين ويرسخ فينا مثل تلك المفاهيم فانه ان لم يكن من اجل خلاصنا وحده ما كان من الضروري ان يظهر يسوع نفسه لنا متجسداً. هو القائل:”انا هو الحق والحياة” لأني انا الله وأيضا انا هو الإنسان. أنا آت لأعلّم الإنسان وأحضر له كلمات الحياة الأبدية ومعا وبهذا التعليم أُعطي مثالاً كيف يحيا حسناً.

ان الإنسان يمكنه ان يقترب من الله والحياة الأبدية من خلال تعليمي ومثالي فقط، ومن خلال إستحقاقاتي وعقائدي وتعليمي والنعمة التي أعطيتها للعالم”لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا”(يوحنا17:1) ، “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا”(يوحنا14:1)، فلندخل بهذه الطريقة وحدها لنجد الطريق والحياة.

انه من المدهش حقا ان نفكر في شخص يمكنه ان يكون هو الطريق وهو بدايته ونهايته في نفس الوقت،” الحق والحياة” و”الطريق والحق والحياة”.

نعم لقد شرح لنا يسوع هذا السر الذي يقودنا لنعرف الحق ولا شيئ غير

الحق لأنه هو نفسه الحق. ان الحق عظيم وعندما نمتلك هذا وعندما

نعرفه ونحبه فهذه هي الحياة الحقيقية.

اننا لكي نرى النور فما علينا إلاّ ان نفتح عيوننا فيأتي النور فليس هناك طريق آخر يدخل منه النور الينا إلاّ بأن نفتح عيوننا، والحق أكثر من النور فلا شيئ يقودنا اليه إلاّ هو. ويسوع الذي جاء الينا وتواضع ونزل من السماء وسكن وعاش بيننا، فلم يخبئ ذاته خلف أي شكل آخر بل تجسد وصار إنسانا مثلنا ليحمل أثقالنا ومتاعبنا وضعفاتنا ويُظهر ذاته لعيوننا وقلوبنا لكي ترى وتلمس وتعرف وتعيش معه، ولهذا لكي يكون لنا هو الطريق كان يلزم ان يكون هو الحق، فما علينا إلا أن نفتح

عيوننا وقلوبنا لنعرفه المعرفة الحقيقية فنعرف بهذا الطريق والحق

والحياة.

فتعال اذن أيها الحق فأنت هو حياتي لأنك أتيت إليّ، وأنت هو طريقي، فما الذي يخيفني؟ ولِم أن قلق؟، هل أخاف من انني لا أجد الطريق الذي يقود الى الحق؟!. ان الطريق نفسه كما يقول القديس أغسطينوس قد أظهر ذاته لنا وأتى إلينا، فتعال أيها الطريق وعِش فيّ وأغرس فيها الحق فتصبح نفسي أكثر معرفة ونضجاً فينكشف لها النور لتتأمل وتعمل بتعاليمك يا يسوع. ان هذا النور هو أكثر جمالاً عندما ينير ويبدد الظلمة ولا نكون مثل من قيل عنهم “إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ

النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً”(يوحنا19:3).

لكي نبدد الظلام الساكن في داخلنا علينا ان نُدخل النور، والمسيح يسوع هو نور العالم، وبما اننا لا يمكننا أن نغيّر الحق فلنغيّر أنفسنا حتى تخرج ظلمات الجهل وتبددها ولتسكن أشعة الحق في داخلنا لنرى النور ونعرف الطريق لنسير به وفيه إلى الحيـاة.

فلنحب الحق، نحب يسوع الذي هو الحق ذاته ولنغير انفسنا حتى يمكننا ان نكون على مثاله ولا نضع انفسنا في حالة تدفعنا الى كراهية الحق، فلنحيا بالحق ونحرر أنفسنا به ولهذا السبب أعطى لنا سر القربان المقدس الذي هو جسد المسيح ودمه، هو خبز الحياة ذاته وهو الطريق والحق والحياة. اذا ما كان يسوع هو طريقنا فلا نمشي اذا في طريق العالم ولندخل من الباب الضيّق المؤدي الى الحياة. ان كبرياء الإنسان هي العائق، فلنطلب من الحق أن يرفع ويلاشي هذا العائق لنحيا ونسير في الطريق بالنور مع الله الي الحياة الأبديـة.

 

الأسبوع الأول- الأحد

جُربّ في البـريـّة

 

يسوع منقاد بالروح القدس والذى ظهر على هيئة حمامة جاء الي البرية “أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ”(لوقا1:4). يسوع، الحمامة البريئة يذهب بعد معمودية يوحنا مملوء بروح الأنين في عزلة في البرية ليصوم ويبكي من اجل خطايانا. لقد جاء في الانجيل حسب القديس متى “ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ”(متى1:4) وأيضا جاء في اجيل مرقس “وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ”(مرقس12:1)،  ومهما كان الذي حدث فاننا بالمعمودية ننفصل عن العالم ونكرس ذواتنا بالصوم والانقطاع ونصارع ضد التجربة وهذا ما حدث تماما مع يسوع مخلص العالم بعدما اعتمد على الفور.

ان حياة المسيحي هي خلوة فنحن لسنا من العالم كما ان المسيح يسوع ليس من العالم”لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ”(يوحنا14:17)، وما هو العالم اذن؟ انه كما كتب القديس يوحنا هو “شهوة الجسد” الذي هو خليط من المشاعر والأحاسيس المضطربة والتي تتحكم في رغباتنا واشواقنا وارادتنا. وكذلك أيضا العالم هو “شهوة العيون” والذي هو تخيلات وهلوسة وبدع وخزعبلات وقصور وانعكاسات خاطئة وأخيرا كبرياء وطموح “لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ”(1يوحنا16:2). لكل هذه الشرور المملوء بها العالم والتي يصنع منها مواده فإن الخلوة الروحية لازمة لوضع أنفسنا في وضع المقاومة فنحن نحتاج ان نجعل

انفسنا في بريّة مقدسة بواسطة تخلينا وابتعادنا عن كل ما هو في العالم.

ان الحياة المسيحية هي معركة، فالشرير الذي تهرب منه النفس تعود ومعها أرواح أشر “يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ”(متى45:12) في محاولة لتجربتنا من جديد، فنحن لا يجب ان نوقف المعركة ففي هذه المعركة يعلمنا القديس بولس ان نبتعد ونحفظ انفسنا من كل سعادة للنفس والمشاعر والشهوات ونصون قلوبنا من كل هذا “وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ”(1كورنثوس25:9). ولهذا فلكي ننجح في معركتنا ضد التجارب ونتجنب السقوط او الفشل في خلوتنا الروحية علينا ان نتمثل بالمسيح يسوع في ابتعاده نحو البرية وانقطاعه عن مشتهيات العالم. ان صومه 40 يوما تعكس صراع طويل طوال حياتنا على الأرض، فعلينا ممارسته بإبتعادنا عن رغباتنا الشريرة وان نقمع شهواتنا لتُخضع وتتحدد طبقا للحدود التي أوصانا بها الله. هذا هو أول تأثير لصوم يسوع، فإذا ما دعانا الى أن نصعد الى أعلى فليس فقط بتجديد قلوبنا بل أن نبتعد بالفعل عن العالم، ولهذا فكم تكون السعادة ان نذهب لنصوم مع يسوع المسيح، فدعونا نكتشف سعادتنا الحقيقية في البريـّة معه.

قال القديس مرقس:” وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ

الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ”(مرقس13:1)،

هنا نرى صورة ان يسوع ليس وحده في البرية بينما ابليس مجربّه هناك كانت أيضا الوحوش في صحبته والملائكة هم خدامه. لماذا يسوع مع

لوحوش ولماذا جعل نفسه في صحبتهم في البريّة؟

الوحوش في البرية كانوا كما خُلقوا منذ البدء في برارتهم بينما الانسان فكل شيئ قد تغير وانحرف بالخطيئة “وَرَأَى اللهُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى الأَرْضِ”(تكوين12:6) ففي مجتمع البشرية نجد الخيانة الزوجية والصداقة الزائفة وتبادل المنفعة واطراء كاذب وكبرياء ذاتية خير غاش وعدم انتظام وخلل وكذب وفساد.

دعونا نهرب من كل هذا على الأقل روحيا فاننا سنجد انه من الأحسن أحيانا كثيرة ان نحيا مع الوحوش بدلا من البشر في هذا العالم وسوف نواجه التجربة مع يسوع ولكن كما كان هو ومعه الملائكة فسيكونون هم أيضا خداما معاونون لنا. لقد أتوا لخدمة المخلص في ساعة احتياجه وفي حالة ضعفه البشري عندما اختار هو ذلك في نهاية صومه الطويل، فعلينا اذن ان نتذكر انهم أرواح خادمة “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!”(عبرانيين14:1). انهم اكراما للمخلص يضعون انفسهم خداما لمن هم يصومون معه في البرية، ومن يحبون الصلاة والخلوة، ومن يعيشوا منقطعين عن كل ما يجذبهم

نحو العالم، ولمن لا يعطوا قلوبهم لمحبة هذا العالم وكل ما فيه.

صوم وصلاة وتسبيح ومقاومة للشهوات وتعضيد إلهي من ملائكة

السماء في فترة رحلتنا في هذه الحياة وأيضا اثناء خلواتنا في صومنا هذا.

فيارب أعضدنا بملائكتك حتى لا نضعف ونجنا من الشرير. آمين.

 

الأسبوع الأول-الأثنين

” أنا كنتُ جوعانا وأنتم أطعمتونـي

أيها الرب يسوع، أنت حياتي ورجائي، ها أنا أضع نفسي في حضورك المقدس لكي أري في نورك الإيمان والمعرفة والمعونة ومن أجل صلاحك وحدك كيف انك حملت تعاستنا وشقاءنا وضعفاتنا الى الحد الذي تقول: “أنا جائع، عطشان، غريبا، عريانا، مريضا، محبوسا” في كل شخص يعاني في هذا العالم. آواه يارب، ما الذي جعلك يا يسوع تحمل كل تلك الأحمال؟ أهو الحب الذي جعلك أن تأخذ طبيعتنا ولا تأخذها في صورتها الأولى كما خلقتها، مثالية ونقية ولكن في صورة أخرى حسب عدلك الإلهي فانية وفقيرة لأنك شئت أن تحمل خطايانا وتحملها على الصليب وتحملها طوال حياتكعلى الأرض ” الحمل «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ”(يوحنا29:1). لقد حملت خطايانا بأن حملتها بنفسك وانت هو قدوس القديسين الممسوح بزيت الإبتهاج أكثر من رفقاؤك (مزمور7:45)، وتحمل اسم “المسيح وهذا الزيت الممسوح به هو سماوي والذي وحّد روحك القدوس وجسدك الطاهر لأنك أنت هو قدوس الله لم تضمر اختطافا ان تكون مساويا لله وكما نقول في القداس الغريغوري:” أنت الكائن في كل زمان، أتيت إلينا على الأرض، أتيت إلى بطن العذراء، أيها الغير المحوي إذ أنت الإله لم تضمر إختطافًا أن تكون مساويًا لله، لكن وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد، وباركت طبيعتي فيك وأكملت ناموسك عني، وأريتني القيام من سقطتي أعطيت إطلاقًا لمن قبض عليهم في الجحيم، أزلت لعنة الناموس، أبطلت الخطيئة بالجسد، أريتني قوة سلطانك وهبت النظر للعميان، أقمت الموتي من القبور، أخضعت الطبيعة بالكلمة، أظهرت لي تدبير تعطفك أحتملت ظلم الأشرار، بذلت ظهرك للسياط وخديك أهملتهما للطم، لأجلي يا سيدي لم ترد وجهك عن خزي البصاق”، وكما قال رسولك:” مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ”(عبرانيين17:2).

فيا رئيس كهنتنا نسبحك الى دهر الدهور لأنك أخذت أوجاعنا وأسقامنا ورحمتنا وكما جاء: “لا صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ.مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا”(اشعيا2:53-5). لقد اختبرت كل الآلام التي حملتها طبيعتنا بعد السقوط “لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ”(عبرانيين15:4).

لقد حملت الجوع والعطش والضعف وكل الأسقام التي في طبيعتنا البشرية وحملت أيضا مخاوفنا وقلقنا ويأسنا وكل تلك اللعنات التي أصابت بشريتنا بعد السقوط، وحملت الجروح التي مزقت جسدك المقدس. لقد شعرت مثلنا بكل الأحزانن والمخاوف والآلام التي حملتها طبيعتنا من اجل كل هذا تحننت نحو المرضى وأقمت الموتى وأخرجت الشياطين برحمتك الإلهية، وصرخت قبل ان تقيم لعازر وأكثرت الخمس خبزات بعد ان تحننت على الآلاف”وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا”(متى36:9) وفي مناسبة اخري جاء”وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ: «إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ»(متى32:15)، وسمعت لذلك الرجل الأعمى صارخا وأيضا للأعميان صارخين “وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ. فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: «ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» فَانْتَهَرَهُمَا الْجَمْعُ لِيَسْكُتَا، فَكَانَا يَصْرَخَانِ أَكْثَرَ قَائِلَيْنِ: «ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمَا؟» قَالاَ لَهُ: «يَا سَيِّدُ، أَنْ تَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا!»

فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ (متى30:20-34)، وبكيت على تلك الويلات التي ستتعرض لها أورشليم “وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا”(لوقا41:19).

هذا هو القلب العجيب الذي تحركه الرحمة نحو المتألمين والمحتاجين فتمد يدك القويـة الحانية لتمسح دموعهم وتخفف جراحاتهم ولهذا كتب رسولك متى:” لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا»”(متى17:8).

لقد حملت في الحقيقة يا يسوع كل هذا من محبتك ورحمتك اللامتناهيـة

نحو البشر. فيا مخلصي الحبيب لقد حملت كل سمات الرحمة ولم تخفي دموعك وأحزانك وآلامك الداخلية التي شعرت بها أمام الشرور والتي حملتها طبيعتنا البشرية الساقطة ولقد تجسدت وتأنست وأتيت من علياؤك الى الأرض فأنت ذاك السامري الصالح (لوقا33:10) الذي رحم كل المجروحين من أي أرض كانوا، فإجعلني يارب أن أشعر بعمق تلك الكلمات” كنت جوعانا، كنت عطشانا، كنت عريانا، كنت محبوسا، كنت مريضاً وكل من يحمل تبعات الخطيئة الأولى فأحمل مثلك قلبا مثل قلبك رحوما وشفوقا نحو كل المحتاجين. فإنزع مني أيها المخلص قلبي الحجري هذا واجعلني ذو قلب رحيم مثلك واجعلني أن أقول مثل رسول الأمم”مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟”(2كورنثوس29:11)، واجعلني أفرح مع الفرحين وأحزن مع الحزانى”فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ”(رومية15:12).  اجعلني قادرا ان أقول معك “أنا جوعان” ، “أنا عطشان” مع كل المتألمين ولا تجعل رحمتك فيّ تذهب عبثا بلا ثمر، وقدني لكي أساعدهم فأخفف عنهم آلامهم، واجعلني يارب دائما أن أتذكر ما قلته أنك حملت آلامهم في ذاتك ولا أنسى ما قلته أنت في يوم الحساب والدينونة: فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ”(متى40:25).

لك المجد والتسبيح والشكر من اجل جميع احساناتك يارب وجودك نحو المتألمين وثقيلي الأحمال والذي حملت آلامهم في جسدك الطاهر المقدس وعلمتنا يارب الرحمة أن نكون على مثالك أن نرحم كل جائع وعطشان وعريان وسجين ومريض وكل من يحتاج لكلمتك وسلامك ورحمتك والإيمان بك حتى نسمع هذا النداء الثمين: “تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” (متى34:25). آمين.

 

الأسبوع الأول-الثلاثاء

أبــانــا

في أول كلمة من الصلاة الربية تذوب قلوبنا

من هذا الحب الإلهي فالله يريد ان يكون “ابانا” بأن يتبانانا واحدا واحدا فهو له ابن وحيد الذي به سُر”وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ» (لوقا22:3).

وما هو الخطأ في أن يتبنانا الله؟ فالإنسان يتبنى أطفال عندما لا

يستطيع أن ينجب، والله له هذا الإبن لهذا في أن يتبنى أطفال إذا ما أراد فهذا هو عمل محبة لأننا نختار من نريد ان نتبناه. ان الله الذي يُحب ابنه الوحيد بكل الحب الى الأبد مدّ هذا الحب الذي له لإبنه نحونا وهذا ما قاله يسوع في صلاته العجائبية لأبيه السماوي:” وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ»(يوحنا26:17).

فلنحب هذا الأب ولنردد آلاف المرات “أبانا..أبانا..أبانا” فكيف لا يمكنني ان احبه دائما؟ وهل يمكن ان نجد أباً بمثل هذه المحبة الوالدية الحانية؟!

ما الذي يجعلنا ان نقول”ابانا”؟، فلنتعلم من القديس بولس:” ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ»(غلاطية6:4). أنه الروح القدس الساكن فينا. أنه الروح الذي في داخل قلوبنا وهو الذي يدعونا ان نناديه كأب دائما هو مستعد للإستجابة لنا نحن أبناؤه الأخصاء. كما قال القديس بولس في موضع آخر:” لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ»(رومية14:8-15)، مرة أخرى انه الروح القدس الذي يعطينا تلك الصرخة البنوية.

لماذا نطلق عليها صرخة؟!، نحن نصرخ عندما نكون في احتياج شديد،

فالطفل يصرخ فقط ويبكي عندما يعاني او عندما يكون في احتياج. فإلى من يصرخ الطفل في احتياجه إلاّ لأبوه وأمه ولمن يرعاه أو لمن يشعر برعايتهم الوالدية له. فلنصرخ اذن لأن احتياجاتنا ضرورية للغاية فنحن ساقطون تغرينا الخطية وتقودنا الى سعادة الحواس فقط. فلنصرخ فنحن لا نملك أي شيئ آخر، لكن لنصرخ فقط لأبانا،الروح القدس، الله الذي هو محبة، حب الأب للإبن، انه الحب الذي أسكن الله في قلوبنا”لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا”(رومية5:5). فلنصرخ بكل قوانا ولتصرخ عظامنا وكل ما فينا نحو الله فهو “أبانا”.

يضيف القديس بولس قائلا:” اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ”(رومية16:8). أنه الروح الذي يشفع فينا امام الله الأب الذي يقول لنا اننا أبناء للـه. عندما نتمتع بسلام الله في داخلنا وبضمير نقي صالح وبقلب مملوء بحب الله ومتعلق به وحده ولا يبقى أي شيئ من العالم يبعدنا عن الله حينئذ سنسمع في قلوبنا صوتا قائلاً ومذكراً لنا ان الله هو ابونا واننا أبناؤه، وايضاً هذا الصوت هو كنسمة خفيفة يسمعها البعض

ممن هم في علاقة خاصة مع الله.

ان الروح القدس لا يعطي كل شخص هذه الشهادة السرية بل انه يريد

ان الجميع يعرفون تلك الحقيقة. ربما قد يكون البعض غير مستحقين في الحقيقة لهذا النداء الإلهي. فيا الله اجعلنا مستحقين في الحقيقة لهذا السر العجيب وهذا هو مطلبنا الوحيد نسأله منك أنت وحدك القادر أن تهبه لنا، بأن تضع روحك القدوس يسكن دائما في قلوبنا منادياً وصارخاً لك في كل وقت يا “أبانا”، ومذكّراً إيانا دائما وأبداً أنك أنت وحدك ابونا السماوي ونحن أبناؤك الأخصاء والمدعويين لملكوتك الأبدي. آمين.

 

الأسبوع الأول-الأربعاء

علامـة يونان النبي

لم يرِد يونان ان يذهب الى نينوى وينذر شعبها بلا نتيجة فلقد خاف اذا ما غفر الله لهم حسب صلاحه فسيستمر الأمميين  في عدم ايمانهم وسيستخفون برسالة وانذار الله لهم وبكلمات نبيه. مدفوع بروح النبوة قال يونان ان هذه الرسالة لا أستطيع توصيلها:”لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ” (يونان2:4). مفكرا في نفسه قائلا:”انك يا الله ستغفر مرة أخرى لتلك المدينة الغير مؤمنة

وانهم لن ينصتوا لمن يتكلم باسمك، انه عبثاً ان نعرّفهم بحكمك القاسي نحو يهوذا وإسرائيل. ام رأفتك ورحمتك ستقسي البشر وتجعلهم يبقوا على شرورهم”، وهنا قال يونان:” «مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي»(يونان8:4) على ان يرونني نبي كاذب او ان اغلن نبؤة غاشة.

في عمق يأس يونان وعدم قبوله نقل الرسالة لأهل نينوي بل هرب بعيدا عن الله واخذ سفينة الى ترشيش وهي في عكس الإتجاه تماما وهو

مقتنع انه بعيدا عن الله، فيجب علينا ان لا نخدع انفسنا من ان النبي يمكنه الهرب بعيدا عن نظر الله، او أن يترك مملكة الله بالذهاب الى أقصى الأرض. بعد هذا سنسمع من يونان هذا القول للبحارة على السفينة: “أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ»(يونان9:1). يونان يعلم جيداً انه من المستحيل الهرب من قوة الله او ترك مملكته. ان وجه الله والذي حاول يونان الهرب من حضوره او تمنى ان يتجنبه هو الوجه الذي يظهره الله لأنبيائه في داخل قلوبهم. انه الحضور الذي ينير ارواحهم ويرشدهم في رسالتهم. هذا هو الوجه الذي آمن يونان انه يمكنه ان يهرب منه بأن يترك الأرض المقدسة ومن شعب إسرائيل الذي أفاض عليهم الله بركاته ورسالاته.

لقد هرب يونان ليس فقط من الأرض المقدسة ونينوي مرة واحدة، بل انه كان غير مصدق ان الله يمكن ان يُرجعه على الرغم منه، ولكن واجه يونان فيما بعد حدث عجيب. فَأَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً إِلَى الْبَحْرِ، فَحَدَثَ نَوْءٌ عَظِيمٌ فِي الْبَحْرِ حَتَّى كَادَتِ السَّفِينَةُ تَنْكَسِرُ. فَخَافَ الْمَلاَّحُونَ وَصَرَخُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِهِ، وَطَرَحُوا الأَمْتِعَةَ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إِلَى الْبَحْرِ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ. وَأَمَّا يُونَانُ فَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى جَوْفِ السَّفِينَةِ وَاضْطَجَعَ وَنَامَ نَوْمًا ثَقِيلاً(يونان4:1-5)، فبدون أن يستغرب يونان هذه البلوى ذهب في هدوء الي باطن السفينة ونام، مثل ما فعل يسوع عندما كان في السفينة مع تلاميذه وسط العاصفة حتى انها كادت أن تغرق “فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» (مرقس37:4-38). انه بنفس السر العجيب الذي يظهر انه لا شيئ يخيف عندما يكون الله معنا وفي تلك الظروف القاسية التي قد تواجهنا، ما علينا الاّ الإستسلام لمشيئة الله وهذا ما فعله يونان على الرغم من خطر غرق السفينة، فسلّم أمره لمشيئة الله ثم نام حتى أيقظه البحارة تماما مثل ما فعله الرسل عندما أيقظوا يسوع وقالوا له:”ألا تبالي؟”، قالها البحارة ليونان:” «مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ»(يونان6:1).

أن يد الله لا تترك مطلقاً أنبياؤه، فشعر يونان على الفور ان العاصفة كانت موجهة له كرسالة وبهدوء عجيب راقب البحارة والمسافرين وما بذلوه لمواجهة العاصفة ومعرفة أسبابها ورأى أنه يمكن أن يكون هو سبب تلك العاصفة ولم يأبه وفضّل الموت على أن ينقل لأهل نينوي نبؤة كاذبة “لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي”(يونان3:4) ولهذا قال للبحارة الذين ضاقوا من هدوءه الغريب وتمنوا ان يتخلصوا منه: «خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ»(يونان12:1). لقد استغربوا من هدوءه هذا ولكنهم احترموا رغبته وتعجبوا أكثر من إلهه الذي يخدمه يونان النبي والقوا به في البحر وهم آسفين ووضعوا الله شاهدا عليهم “وَقَالُوا: «آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ

فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ»ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ

هَيَجَانِهِ.فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا

نُذُورًا”(يونان14:1-16).

وهذا الأمر كان صورة رمزية لمخلصنا الصالح الذي أنقذ شعبه من

الموت وقدّم نفسه طواعية من أجل خلاصهم. ليس بإلقاء يونان الي البحر انتهى سر يونان بل اننا نسمع لقول المخلص نفسه: وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال”(متى39:12-40).

ان روح النبوة لم تفارق يونان وهو في بطن الحوت فصرخ: “وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي”(يونان2:2) و “قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي.نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي”(5-6)، ثم “وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ”(يونان10:2).

من طريقة الموت وقبوله طواعية في سبيل الخلاص للآخرين والتحرر

من الموت بالقيامة ما هي إلاّ صور وإنعكاسا لما قام به المخلص يسوع المسيح. فلنكرّم إذن ليس فقط النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. فكما قال السيد له المجد: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ(متى17:5-18). فالله لم يترك كل ما جاء عنه وكتب الأنبياء والشريعة والعهد القديم بكل ما فيه من رموز وشخصيات ونبؤات، فلنتعلم ان لا نفقد أي رجاء مهما كانت تلك الصعوبات التي قد تواجههنا، فيونان خرج من بطن الحوت ويسوع المسيح خرج من القبر وصعد من الجحيم مؤكدا لنا نخحن من آمنا به انه المخلّص الوحيد الذي خلّصنا ويخلصنا من جميع شدائدنا وضيقاتنا. آمين.

                   

الأسبوع الأول-الخميس

أطرق….

“اِسْأَلُوا …اُطْلُبُوا ….اِقْرَعُوا”(متى7:7)

انها ثلاث درجات ومناشدات يلزم القيام بها بنجاح، ولكن يظهر السؤال ماذا نطلب من الله نحن من نتجول ونسير ونحيا في الحالة الساقطة والوحشية والتي وضعتها فينا الخطيئة؟

علينا ان نتعلم من كلمات القديس يعقوب الرسول:” وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ”(يعقوب5:1-6). وهذا أيضا ما يعلمه لنا المعلّم الصالح: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ. وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ»(متى21:21-22).

تأمل وأعتبر ما الذي اوصلتك إياه الخطيئة وإسأل بإيمان أن تتحول وتتغير وتتجدد لصورة أخرى حتى لو كان ثقل خطاياك مثل الجبل فصلّي بلجاجة وبلا ملل طالبا مغفرة خطاياك متذكراً ما قاله يسوع: “كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه”، فيسوع يؤكد لنا ان كل شيئ مستطاع بالصلاة.

“أقرع” وداوم على الطرق حتى للدرجة التي قامت به أرملة قاضي الظلم والتي أزعجته بطلبها المستمر. الطلب المستمر والمتواصل الى الله وبإيمان ثابت يجعل نِعم الله تفيض حسب مشيئته المقدسة. علينا أن نتذكر جيداً قول الكتاب المقدس:اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَه”(لوقا9:11-10)ُ. علينا إذن ان نصلي في النهار والليل وفي كل وقت مستيقظ فيه حتى لو بات لنا ان الله لا يسمعنا او انه يرفضنا، فعلينا مداومة الطلب ونطرق باب السماء، وإذا ما طلبنا فيلزم أن نعد أنفسنا لقبول مشيئة الله حتى ولو لم توافق ما قد طلبناه، ولابد أن نعرف أن كل شيئ هو من الله “وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ”(لوقا18:1)، لذا لابد ان نتقدم نحو الله بطلباتنا وصلواتنا كأرض عطشى لمن يرويها وكما يقول المرّنم:”بَسَطْتُ إِلَيْكَ يَدَيَّ، نَفْسِي نَحْوَكَ كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ”(مزمور6:143).

يا الله، أنا لا أريد أن أصلّي اليك فكل حاجاتي هي نفسها صلاة، احتياجاتي هي صلوات، ضروراتي هي صلاة، طالما ان هذه الإحتياجات والأشياء مستمرة فنحن نصلي بلا صلاة بالكلمات او الشفاة. أنت يارب وحدك تعلمها وتعرف ما الذي منها يفيد خلاصي. فأرحمني يارب فكل ما أطلبه هو أنت وحدك وأنت قادر على سد جميع حاجاتي وضروراتي إذا ما وافقت مشيئتك المقدسة.

 

 

الأسبوع الأول-الجمعة

البِـِرالمسيحي

لقد وضع يسوع في بدية شرحه للمبادئ المسيحية الأسس لهذه القاعدة الجميلة، ان البِر او الصلاح المسيحي يجب ان يزيد عن بِرّ الكتبة والفريسيين وعلماء الشريعة “فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ”(متى20:5).

فلنقترب بعناية لمعرفة هذا القانون الجديد الذي وضعه يسوع والذي قبلناه عند نوالنا لسر المعمودية. ان يسوع لكي يلزمنا ان نحفظ هذا القانون فلقد رفع هذا البِر للإنسان المسيحي لثلاث درجات:

أولا- يجب ان يفوق حكمة الأمم ولهذا قال: “لأنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ (متى46:5-47). أي يعني أن نعمل أكثر بأن نذدري غِنى حكمة الوثنيين وأيضا أن نكون أمناء نحو اصدقاؤنا وهذا ألا يفعله غير المؤمنين؟!. أن نتجنب الغِش والخداع وهذا أيضا ألا يكرهه الوثنيين؟!. أن نهرب من الزنا، أليس هذا أيضا ما يخافه الأمميين؟!

الدرجة الثانية هي ان نرتفع فوق تطبيق القانون ومن هم يعرفون الله

وهذه أيضا ثلاث درجات بالإبتعاد عن ثلاث عيوب للبِر اليهودي: البِر

الخارجي:”وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً” و”وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ”(متى25:22 و27)، وأنظر أيضا الي الفريسي:” أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ”(لوقا11:18-12). هذا البر الخارجي قد نمارسه نحن المسيحيين كالذهاب الى الكنيسة وحضور القداس وصلوات الغروب والسواعي ورفع البخور او التبرك من الماء المقدس او ان نركع ونتمتم بشفاهنا وغيرها مع غياب النيّة الداخلية، فتلك كلها ممارسات للبِر الخارجي اليهودي وهذا يشابه ما قاله الرب يسوع:” يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا”(متى8:15). فهذه كلها ممارسات بِر خاطئة أسوأ مما كان الفريسيون يقومون به.

العيب الثاني للبِر اليهودي كما قال القديس بولس:” لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا

يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ

اللهِ” (رومية3:10) ويظنون انهم يمكنهم فعل اعمال صالحة من ذواتهم

بدلاً من أن يعترفوا انها كلها من الله الساكن فيهم والقديس بولس شعر

في وقت من الأوقات بهذا البِر الخاطئ لهذا كتب: مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ. لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ”(فيليبي6:3-9). وهذا هو العيب الثاني ان الإنسان يعتبر ان كل الأعمال الصالحة الذي يقوم بها هي منه هو شخصياً وانها هي وحدها التي تجعله باراً. هذا البِر غير كامل وطبقا لتعليم بولس الرسول فهو لا شيئ وناقص ومرفوض لأنه كبرياء ذاتية.

أما العيب الثالث للبِر اليهودي هو ان الأعمال تقل قليلاً اذا ما قورنت بالمقياس المطالب به الإنسان المسيحي كما جاء في الكتاب المقدس، لأننا مطالبون بأن نفعل أكثر من هؤلاء من يصنعون حسناً، فالقديس بولس يقول لأننا عرفنا المسيح لهذا فأعمالنا الصالحة يلزم أن تفوق من لم يعرف يسوع المسيح وهذا ما نفهمه من كلمات الرب يسوع””ان لم يزِد

برّكم عن بِر الفريسيين”(متى20:5).

أما الدرجة الثالثة للكمال والذي يجب على المسيحي ان يرتفع اليها اكثر من الغير:” لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”(فيليبي12:3-14). الإنسان المسيحي الحقيقي هو في الحقيقة بار بلا غش او رياء، هو من يعتبر انه لا شيئ وانه لم يفعل شيئاً حسناً وانه كما قال الرب يسوع: فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ”(متى48:5). فليكن فينا هذا الشوق وهذه الغبة ان نفعل مشيئة الله ولا ننظر الى الوراء بل الى الأمام حتى لا يقول المخلص لنا يوما ما: «لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ»(لوقا62:9). لهذا فعلينا ان نكون جوعى وعطشى لذاك البـِر كما قيل: “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ”(متى6:5). انها رغبة وشوق وحنين يقودنا ان نحيا كما يريد منا الله ومهما كانت حالتنا فلنطلب منه تعالى ان يضع فينا هذه الرغبة هذا الشوق وذاك الحنين لملكوته الأبدي. آمين.

الأسبوع الأول-السبت                    

أحبوا أعداؤكم…

 

لقد تكلم يسوع عن ضرورة المحبة الأخوية واخذنا الى أكثر من ذلك  منع القتل او حتى لطم الآخر، وأضاف الى انه لا يجب ان نغضب من اخونا او ان نجرح مشاعره بأي طريقة. إذا ما كان لدينا أي خلاف مع الأخ يجب أن نتصالح ويجب أن لا يصل عدم اتفاقنا الى النهاية بالوصول الى القضاء لفض المنازعات، أو حتى الإلتجاء الي وسيط بيننا لحل أي خلاف لأن المسيح هو وسيط مصالحتنا وأن روحه القدوس وروح المحبة والنعمة هما الذان يسودان في علاقاتنا. وأضاف يسوع انه اذا ما شابه علاقتي مع اخي أي شائبة فعلّي ان اتصالح معه قبل ان اقدم صلاتي وذبيحتي امام الرب.

ان قاعدة العهد القديم “وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلاً بِرِجْل”(خروج24:21)، والتي قد تظهر انها العدالة لكن يسوع لم يسمح بها للمسيحي ان يقوم هو بنفسه بهذا العمل او ان يتطلع الى الرضا بهذا العمل فاذا ما كانت السلطة المحلية تعاقب الجرائم فلا يمنع المسيحيين هذا، لكن بالنسبة لي فهو يطالبني بأن أحترم السلطة المحلية واذا ما لطمني اخي احّول له خدي الآخر وحتى ان أعطي ثوبي للآخر وغيرها من الأفعال والأعمال التي تعكس حقيقة معرفتي بيسوع “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا”(متى39:5-40). وأيضا يطالبنا الرب يسوع:” مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ”(متى42:5) ان تفعل ما يمكنك ان تعتني بهؤلاء الذين يعانون. ان مجموع غِنى العالم لا يساوي ثمن هاتان الفضيلتان “المحبة والعطاء”.

ان الدرجات الثلاث لمحبتنا للأعداء هي: ان نحبهم وان نعمل الصلاح وكل شيئ حيالهم وان نصلي من اجلهم. الأولى هي منبع الثانية فإذا ما أحببنا فسوف نعطي والثالثة قد نراها هي الأسهل لكنها هي الأكثر صعوبة لأنها هي التي يجب عملها بعلاقتنا مع الله، فالله هو الذي يرانا وما نضمره في قلوبنا او ما نظهره. فلنفحص هذه الدرجات الثلاث: أن نحب-ان نصنع عملا صالحا-وان نصلي.

ماذا يعني ان نحب من يحبوننا؟” أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟”(متى46:5-47).

انه لا شيئ يقاس بأن يعرض عليك الميراث الذي لا يفنى وسعادة لا تتغير او ان تترك ولا تبالي بما يفعله الوثنيين ومن لا يعرفون حقيقة الله.

 

الأسبوع الثاني-الأحد

هذا هو ابني الحبيب…

اول شيئ طلبه منا الله الأب الأزلي عندما اوصانا ان نستمع الى ابنه ونؤمن بتعاليمه وبالحقائق التي علمنا إياها والضرورية لخلاصنا وذلك بدون تساؤلات أو شك. هذا هو الأساس الثابت والمنيع للحياة المسيحية الكاملة، ولكي نفهم هذه الحقيقة علينا ان ننظر اليهاإما بما تظهره تلك الحقيقة بذاتها او بمعاونة آخر لنفهمها.

ان الله هو الذي يقودنا نحو الحق ونحو معرفته فإذا ما حاولنا وحدنا

سيكون من الصعب بدون معونة من الرب ان نتعرف ونؤمن انه هو واذا ما حاول شخص آخر ارشادنا نحو معرفة الله فلابد لهذا الشخص ان تكون له الحكمة والعِلم والسلطان حتى انه بروح الرب نقبل ونتأمل ونؤمن لنعمل. أن الله يظهر نفسه أحيانا لنا بطرقة واضحة ومعلنة قائلا لشعبه: “وَتَسْقُطُ الْقَتْلَى فِي وَسْطِكُمْ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ”(حزقيال7:6)، واحيانا بدون ان يظهر نفسه فانه يجعل سلطانه واضحا وكلماته تعلن هذا:” لأَنِّي أَنَا تَكَلَّمْتُ بِالْكَلِمَةِ، يَقُولُ الرَّبُّ»(ارميا5:34). ولماذا كل تلك الطرق؟ لأنه يريدنا ان نفهم ونعي من هو الله لنستمع اليه حتى نؤمن به. انه يمكنه بسلطانه العظيم ان يُجبر الإنسان على طاعته والخضوع له ولكنه يكلّم الإنسان بطرق متنوعة برؤى وأحلام وظهورات وعجائب وآيات لكي نؤمن. فكل طرق الرب تجعلنا نرى ونلمس ونحيا مدى حبه العجيب لنا.

فلنأت الى جبل طابور اذن ونسرع معا الى الخضوع لسلطانه الإلهي والذي أظهر لنا مجد الأب السماوي، فيمكننا أن نتعرف على سلطانه بالتأمل في مدى ما قدمه موسى وايليا للإبن السماوي من إحترام ممثلان للشريعة والأنبياء.

ولنتأمل أيضا في نفس الوقت صوت الأب الأزلي الذي يأمرنا بأن

ننصت ونستمع لإبنه الوحيد «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا»(متى5:17)، وهنا اختفا موسى وايليا وبقى يسوع وحده”فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ”(متى8:17).

لماذا اختفيا موسى وايليا بعد سماع تلك الكلمات؟ ان هذا السر شرحه لنا القديس بولس:”اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ”(عبرانيين1:1-2)، لهذا فعندما ظهر يسوع المسيح السيد والرب اختفيا موسى وايليا، فالشريعة أعدت الطريق اليه والنبؤات أظهرت رسالته ولهذا فعند ظهور المسيّا اختفيا (لوقا36:9).

لهذا دعونا أن ننصت للإبن الوحيد ولا نبحث عن الأسباب والحقائق التي علّمنا إياها فالسبب الحقيقي والكافي هو انه تكلّم.

 

الأسبوع الثاني-الأثنين

وسيُغفر لكم…

هناك سبب قوي للدهشة عندما يخطئ الإنسان بجرأة أمام السماء

والأرض ويُظهر عدم خوف من الله خالق السماء والأرض وكل ما

عليها، والذي يُدهش بالأكثر ان الإنسان على الرغم من إثمه الذي يفوق

عدد رمل البحر وهو الذي في حاجة ماسة الى الله ورحمته وغفرانه ولا يكترث حتى ان يطالبه بالغفران واذا ما طلب الغفران يكون ذلك بلا ندامة وتوبة حفيفية.

اننا نريد ان الله هو الذي يُعاني ويتحمل كل شيئ من أجلنا، ونحن لا نقدر أن نتحمل او نقاسي أي شيئ وخاصة من الآخرين. نحن نبالغ  فوق أي مقياس من أي خطأ في حقنا ونصرخ ونثور لما يقال كرامتنا، نحن دودة الأرض، ونضخم أي هفوة أو زِلة، بينما في الوقت تفسه لا نحسب أي إهانة أو خطأ ضد الله العظيم الأبدي. كم هو أعمى وبائس الإنسان فهو على درجة عالية من الحساسية والدقة في أحكامه! فهل لا نفتح عيوننا يوما ما على الحقيقة؟. هل لا يمكننا أن ندرك ان من يسبب الجرح لنا هو من يستحق الشفقة أكثرمنا نحن الذين أصابنا الجرح؟! فهو يثقب قلبه بشدة بينما يخدش جلدنا بنصل خنجره. يفرح اعداؤنا عندما نثور لننتقم فهم يريدوننا أن نجرع السُم، سم الكراهية. لقد صنعوا هذا لأنفسهم أولاً بتجرعهم لذاك السم القاتل الذي أعدوه..سُم الكره والحقد والغضب والغيرة والإنتقام. أن كل الذين يصنعون الشر نحونا هم ذوى ادراك غير سليم وعقول غير ناضجة وروحانية أرضية هابطة، فلماذا نغضب منهم ونبحث عن إنتقامنا منهم بقسوة؟. ولماذا بدلا من ذلك ان نعمل على إحضارهم نحو الله بصبرنا ورقتنا وصلاتنا من أجلهم؟

نحن بعيدين جدا عن أعداؤنا لذلك تهلك تلك النفوس ولا تعرف الله، وإذا ما اعتقدنا انه بإنتقامنا منهم نحفظ كبرياؤنا ونعالج الجروح التي أصابتنا منهم فهذا غير صحيح، فتصرفنا وتفكرينا نحو الإنتقام أو بمحاولة تجاهلهم تماما كأننا بهذا التجاهل نعاقبهم، ففي حقيقة الأمر نحن نؤذي أنفسنا بهذا فلا فرق اذن بيننا وبين أعداؤنا بأخذ الثأر وتأجج أسلحة غضبنا بدلا من التحكم بالصبر والصلاة.

أن الغيرة والحسد والنميمة والمعارضة المستترة من خلف الجدران كلها كافية لتسليحنا ضد الآخرين، وغالبا ما تأتي فكرة أن نكره شخص ما هو لسبب واحد بأن نعتقد في أنفسنا أولا أنه هو الذي يكرهنا. أن القلق يدمرنا فنحن نخاف من الجروح قبل حتى أن نصاب بها.

يجب أن نوقف كل هذا أو يلزم أن نراعي كيفية التحادث مع الآخرين، فبأي كلمة بسيطة قد نلقيها بدون أن ندري قد تصيب الآخر وتسبب الكثير من الأفكار المغلوطة فكما قيل لا شيئ يسقط على الأرض فالكلمة باقية واللسان بلا لجام سلاح قاتل “وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنِ الثَّلْبِ؛ فَإِنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ فِي الْخُفْيَةِ لاَ يَذْهَبُ سُدًى، وَالْفَمَ الْكَاذِبَ يَقْتُلُ

النَّفْسَ” (حكمة11:1).

فيلزم الحرص على ما تتفوه به شفاهنا وما نضمره في ضمائرنا من خبث

وغضب فينطق لساننا بما لا يليقوَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ

يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ.لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ»”(متى36:12-37).

فلنفكر في هذه الحقيقة ان الله سيحاسبنا إذا ما حكمنا على الآخر، فإذا غفرنا سيغفر لنا وإذا ما انتقمنا لما قد يصيبنا من الآخر فمكتوب:” مَنِ انْتَقَمَ، يُدْرِكُهُ الانْتِقَامُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ، وَيَتَرَقَّبُ الرَّبُّ خَطَايَاهُ”(سيراخ1:28). ان انتقام الرب نتيجته حياة او موت وسيكون هناك ضيق وعدم راحة سواء في هذا العالم او الحياة الأخرى. دعونا إذن أن لا ننتظر ساعة الموت حتى نتسامح ونغفر لأعداؤنا ولنمارسه الآن كما يعلمنا القديس بولس: اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ”(افسس26:4).

فلنبدأ من الآن أن نغفر ونسامح ونتصالح ونقدم الخير قبل أن تأتي تلك الساعة الرهيبة التي نقف فيها أمام الديّان العادل فيسألنا ماذا فعلت بأخيك؟(تكوين9:4). ولنبدأ أن نعدّ أنفسنا للنِعم التي سنحصل عليها والتي نحتاجهابأن نغفرلمن آساء إلينا ونتأكد أن رحمة الأب والإبن

والروح القدس هي فينا. آمين.

 

الأسبوع الثاني-الثلاثاء

صوت بلا بوق

ان ارتقاء الحياة المسيحية الى الكمال للدرجة التي يعطينا الله ذاته كمثال ونموذج، انه يسوع ذلك الإنسان الذي لا يتكبر ورغبته ومشيئته هي ان يمجّد في اعماله الخارجية صلاحه الإلهي اللامتناهي والذي من أجل صلاحه وحده أعطانا وصيته: “«اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”(متى1:6). انه لا يحظر عمل الصلاح في حياتنا اليومية حتى يرى الأخرون أعمالنا فيمجدوا أبانا السماوي”فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّماوَاتِ”(متى16:5). ان أعمالنا إذا ما قمنا بها لا ليرونا الناس، بل يجب أن يروا فيها الله وإلا نكون قد حصلنا على الأجر.  فلا نطلب المجد والمديح من الناس ولكن من الله وحده ولا نكن كالمرائين الذين يبتغون مجد البشر. ففي كل مرة تسمع مديحاً لك يجاب ان تخاف من سماع تلك الكلمات من الرب يسوع:” فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!”(متى2:6). ان هذا التعليم مهم جداً حتى ان الرب يسوع قد كرره مرة أخرى:” لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”(متى18:6). ولنتذكر ما قاله عن الرجل الغني “فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ”(لوقا25:16)، وتذكر أيضا انذاره عن الدعوات والحفلات”وَقَالَ أَيْضًا لِلَّذِي دَعَاهُ: «إِذَا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ وَلاَ الْجِيرَانَ الأَغْنِيَاءَ، لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضًا، فَتَكُونَ لَكَ مُكَافَاةٌ”(لوقا12:14).

لكم هم سعداء من كانت حياتهم مستترة مع المسيح كما يقول القديس بولس:”لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ”(كولوسي3:3)، الذي لا يعرفهم العالم ويحييون في حياة خاصة وشركة مع يسوع المسيح، وهم كما يقول القديس بولس عنهم: “بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ، كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ”(2كورنثوس8:6-10) وأيضا “أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ”(غلاطية10:1).

فلنراقب افعالنا، هل هي لتمجيد الله وجذب الأخرين نحوه، أم هي لأغراض الشهرة وجلب المديح؟!، وحتى في العطاء “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”(متى3:6) وكل أعمالك وكلماتك ضعها دائما لتمجيد الله، وحتى نحو نفسك اخفي ما قد تظن انك فعلته حسنا ودائما تذكر ان أي شيئ تفعله هو لا شيئ وانك خادم كان يجب عليك ان تصنع ما صنعته. افعل الصالح دون ان تتوقع مكافأة وخاف من أن يكون عملك هذا بدافع عالمي ودنيوي وليس لمجد الله. تعالى إذن واترك كل شيئ لحكم الله فهو وحده الذي يراك ويجازيك في الخفاء او العلانية فلا تبوّق قدامك (متى2:6) كالمراؤون الذين يتكلمون بما فعلوه او قالوه فلا تشابههم وتعلن عن ذاتك فيكون بهذا العالم هو إلهك الذي تبغي إرضاؤه بدلا من خالق السماء والأرض وكل ما فيها.

                    

الأسبوع الثاني-الأربعاء

لا ليُخدم

وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذًا عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»”(متى18:20-19). وبعدها ذكرت هذه الحادثة:” حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا.
21 فَقَالَ لَهَا: «مَاذَا تُرِيدِينَ؟» قَالَتْ لَهُ: «قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ»”(متى20:20-21) ويذكرها أيضا القديس مرقس ويضيف ان التلميذان سألوه هما أيضا:” وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ: «يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا». فَقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟» فَقَالاَ لَهُ: «أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ»(مرقس35:10-37)

ان هذا الحدث يشير انه كيف كان صعبا على الرسل ما قاله يسوع عن الموت وما قاله لأبني زبدى:” فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» قَالاَ لَهُ: «نَسْتَطِيعُ»(متى22:20).

دعونا نتأمل كلمات الرب يسوع تلك:” «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» قَالاَ لَهُ: «نَسْتَطِيعُ». التلميذان يطلبان المجد ولا يفكران مطلقا ان المعاناة مطلوبة لكي ينالوا ذاك المجد. فشرح يسوع لهما ما هي تلك المعاناة “شرب الكأس وصبغة الدم”. لقد قدما التلميذان أنفسيهما لتلك المعاناة وهم لا يدركون ما معناها ومع هذا قبل المعلّم قبولهما للصليب ولكن عن المجد وجههم الي مشيئة الأب السماوي وحكمته:” فَقَالَ لَهُمَا: «أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي»(متى23:20)،

لقد وعدهم يسوع انه أعد لهم مكانتهم في الملكوت معه ولهذا قال:” أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي، وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا، لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي، وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ»(لوقا28:22-30). لقد ترك للأب السماوي

ان يهبهم المجد لمن يتحمل الآلام والصليب.

جاء انه قد اغتاظ باقي الرسل من طلب التلميذان “فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ”(متى24:20)، وهم لا يدرون ان كلهم سيمرّون بنفس الآلام وكان تعليم يسوع لهم من قبل عمن يكون الأول فيما بينهم”وَدَاخَلَهُمْ فِكْرٌ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ فِيهِمْ؟”(46:9) فقال: “أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»(متى25:20-28) وذلك لكي يعلّمهم ان المجد والكرامةهي في خدمة الآخرين.

ان هؤلاء الرسل الذين لم يكفوا من المجادلة فيما بينهم من هو الأعظم ومن هو الأول نجدهم بعد حلول الروح القدس تركوا القديس بطرس ليتحدث ويعظ ويقود الكنيسة في كل مكان. والقديس يوحنا الذي يأل في أن يكون في مكان الصدارة انتظر على باب القبر حتى يأتي القديس بطرس ليدخل أولا ثم يتبعه ليريا علامات قيامة المخلّص وبهذا ترك الكرامة والرئاسة للقديس بطرس.

دعونا نتأمل كلمات السيد المسيح كما رواها القديس متى في

متى25:20-28 ولتكن أيها المسيحي طموحا ولكن بلا رغبة في التسلط

وأخذ مكانة أعلى فوق الآخرين لأنك أنت رسول لمن هو رب الكل والذي جعل نفسه خادماً ووضع كل مجده لخلاص من اختارهم بموته على الصليب، وأحرص أن لا ترتفح وتتشامخ فوق ما كان عليه مخلصك أو أن يرتفع قلبك نحو الماديات والمجد الباطل وصلي للرب لكي يحفظ نفسك من كل كبرياء وبِر ذاتي.

ساعدنا يارب أن نعرف أخطاؤنا وضعفاتنا وليكن مخلصنا يسوع المسيح هو مثالنا الذي نسير في طريقه الي حيث أنت في ملكوتك الأبدي. آمين.

 

الأسبوع الثاني-الخميس

ارميا هو مثال للمسيح

ان دموع ارميا النبي في القديم هي بمثابة شفاعة مستمرة لأجل شعبه:” وَتَقُولُ لَهُمْ هذِهِ الْكَلِمَةَ: لِتَذْرِفْ عَيْنَايَ دُمُوعًا لَيْلاً وَنَهَارًا وَلاَ تَكُفَّا، لأَنَّ الْعَذْرَاءَ بِنْتَ شَعْبِي سُحِقَتْ سَحْقًا عَظِيمًا، بِضَرْبَةٍ مُوجِعَةٍ جِدًّا”(ارميا17:14)، “وَإِنْ تَكُنْ آثَامُنَا تَشْهَدُ عَلَيْنَا يَا رَبُّ، فَاعْمَلْ لأَجْلِ اسْمِكَ. لأَنَّ مَعَاصِيَنَا كَثُرَتْ. إِلَيْكَ أَخْطَأْنَا”(ارميا7:14), فها هو ارميا يصلي ليلا ونهارا بدموع وصراخ من أجل شعبه وهم الذين لم يكفوا عن طلب وقف كلامه وحتى موته. أنه على مثال المسيح الكاهن الأعظم والذي في زمن بشريته  قيل عنه:” الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ”(عبرانيين7:5) حتى انه عندما علّق على الصليب صرخ قائلاً:” «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يفْعَلُونَ»(لوقا34:23).

لقد سمح الله لأرميا ان يقعل ما فعله يسوع المسيح فيما بعد وهو ان يصلّي من اجل من صلبوه:” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”(متى44:5) و(لوقا34:23) و “أَصْغِ لِي يَا رَبُّ، وَاسْمَعْ صَوْتَ أَخْصَامِي.هَلْ يُجَازَى عَنْ خَيْرٍ بِشَرّ؟ لأَنَّهُمْ حَفَرُوا حُفْرَةً لِنَفْسِي. اذْكُرْ وُقُوفِي أَمَامَكَ لأَتَكَلَّمَ عَنْهُمْ بِالْخَيْرِ لأَرُدَّ غَضَبَكَ عَنْهُمْ(ارميا19:18-20).

في الحقيقة ان كلام ارميا ضد الشعب يبدو من وراء قلبه ومثله مثل باقي الأنبياء الذين تنبأوا بالشر على الشعب ومن ثم يرونه يتحقق فيزيدهم هذا ألمـاً وبكاء:” كَلَّتْ مِنَ الدُّمُوعِ عَيْنَايَ. غَلَتْ أَحْشَائِي. انْسَكَبَتْ عَلَى الأَرْضِ كَبِدِي عَلَى سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي، لأَجْلِ غَشَيَانِ

الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ فِي سَاحَاتِ الْقَرْيَةِ”(مراثي ارميا11:2). لكن السيد المسيح بكى من أجل أورشليم وغفر لصالبيه ومن جدّفوا عليه وطلب الرحمة من أبيه السماوي ومن أجلنا.

فهب لي يا رب رقة إرميا، فأبكي ليلًا ونهارًا من أجل كل نفس ساقطة!

أصرخ إليك طالبًا تقديس كل قلب. هب لي يا رب روحك القدوس الناري، فأصير كإرميا، يكفيني أنك معي، ساكنًا فيّ، حتى إن وقف العالم كله ضدي! هب لي يا رب رقة إرميا وشجاعته!. آمين.

 

الأسبوع الثاني- الجمعة

المستأجرين الأشرار

ذكر السيد المسيح مثالا عن الكرم والكرّامين وبه يكلمنا ويكلّم اليهود فلننصت ولنتأمل تاريخ الكنيسة من منظور آخر:” «اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ”(متى33:21)

رنّم داود في القديم: “كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. طَرَدْتَ أُمَمًا وَغَرَسْتَهَا. هَيَّأْتَ قُدَّامَهَا فَأَصَّلَتْ أُصُولَهَا فَمَلأَتِ الأَرْضَ. غَطَّى الْجِبَالَ ظِلُّهَا، وَأَغْصَانُهَا أَرْهرت اللهِ. مَدَّتْ قُضْبَانَهَا إِلَى الْبَحْرِ، وَإِلَى النَّهْرِ فُرُوعَهَا(مز8:80-11) وأيضا هناك صورة واضحة جاءت على لسان اشعيا:” لأُنْشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ: كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ،
2 فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا”(اشعيا1:5-2)، وها هنا جاءت كلمات السيد المسيح “سلّمها الي كرّامين”(متى33:21) فلقد سلّمها الله الي الكهنة وأبناء هارون ولعلماء الشريعة وأخيرا “ارسل ابنه الوحيد”(متى34:21). وجاء على لسان ارميا قول الله في القديم:” وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِي الأَنْبِيَاءِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً قَائِلاً: ارْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ، وَأَصْلِحُوا أَعْمَالَكُمْ، وَلاَ تَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لِتَعْبُدُوهَا، فَتَسْكُنُوا فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ. فَلَمْ تُمِيلُوا أُذُنَكُمْ، وَلاَ سَمِعْتُمْ لِي”(ارميا15:35)، لتحذير الملوك والكهنة والشعب ليعطوا الثمار المرجوة منهم الي الله ولكن بدلا من ان يسمعوا الي كلام الأنبياء اعتقلوهم وقتلوهم:” وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ”(متى34:21-36).

وهذا ما دعى القديس اسطفانوس ان يقول:” أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ

آبَاؤكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ(اعمال52:7)، وهذا ما كشفه لهم يسوع المسيح في مثله عن الكرم والكرّامين من ان الله بعدما ارسل الأنبياء ارسل ابنه وحسب وصف المسيح”قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي!”(متى37:21). لقد قدّم يسوع ما يؤهله لأحترامهم بتعاليمه ومعجزاته فهي كانت كافية حتى يؤمنوا به وعلى الرغم من هذا جروه الى خارج الكرم “فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ”(متى39:21) فمن اورشليم الي الجلجلثة وقتلوا الإبن الوحيد هناك في الخارج.

علينا ان نعجب من الطريقة التي اتبعها يسوع في تعليم اليهود وتحديهم بذكر هذا المثل وهم بعدها بعدة أيام سيقوموا بصلبه وبيّن امام اعينهم شناعة الجرم الذي سيقدمون عليه وهنا طرح السؤال:” فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟»(متى40:21) وكانت اجابتهم كأنهم بها يحكمون على انفسهم:” قَالُوا لَهُ: «أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا»”(متى41:21) وبعدها استمر شارحا لهم ومحذراً: “لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ”(متى43:21).

وهذا في الحقيقة ما تم بالفعل وما اعلنوه بولس وبرنابا لليهود فيما بعد:”

فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالاَ: «كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلاً بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ”(اعمال46:13).

فدعونا لا نخطئ في فهم كلام المخلّص حيث اننا الأمة التي اختارها لتأت بثمار تعاليمه وكلمته ولتثمر اعمالنا الصالحة ليمجدوا ابانا السماوي. “وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ”(غلاطية22:5-23). هذه هي الثمار التي يجب ان نحملها ولا نعمل اعمال الجسد والذي يحمل ثمر الموت :” وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ، حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ”(غلاطية19:5-21).

بخلاف ذلك سيُؤخذ ملكوت الله منا كما اُخذ من اليهود وسيأخذ آخروناكليل المجد” ولنتذكر قوله:”هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ”(رؤيا11:3)، لأن الله لم يشفق على اليهود الذين هم الأغصان الطبيعية “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا!”(رومية21:11). انه لشيئ محزن لليهود ان يروا الأكليل قد أخذ منهم ووضع للأمم بينما كما قال السيد المسيح:” وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ»(متى11:8-12).

فيا الله لقد اخترت هذا الأكليل لي فضعه سريعا على رأسي من يدك فهو لن يفنى لأنك تعلم لمن أُعطيته وتعرف مختاريك وعددهم حتى يكتملوا واجعلني ممن لا يخسرون ويفقدون اكليلهم لأي سبب مهما كان من تعظم للمعيشة وشهوات للعين والجسد.

 

الأسبوع الثاني-السبت

محبـة الله للخطأة التائبين

تذّكر ذلك القول القديم: “قَائِلاً: إِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَانْطَلَقَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، فَهَلْ يَرْجعُ إِلَيْهَا بَعْدُ؟ أَلاَ تَتَنَجَّسُ تِلْكَ الأَرْضُ نَجَاسَةً؟ أَمَّا أَنْتِ فَقَدْ زَنَيْتِ بِأَصْحَابٍ كَثِيرِينَ! لكِنِ ارْجِعِي إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ”(ارميا1:3).

ومع هذا يقول الرب:” «اِذْهَبْ وَنَادِ بِهذِهِ الْكَلِمَاتِ نَحْوَ الشِّمَالِ، وَقُلِ:

ارْجِعِي أَيَّتُهَا الْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ أُوقِعُ غَضَبِي بِكُمْ لأَنِّي رَؤُوفٌ، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ أَحْقِدُ إِلَى الأَبَدِ. اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكِ أَذْنَبْتِ، وَفَرَّقْتِ طُرُقَكِ لِلْغُرَبَاءِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَلِصَوْتِي لَمْ تَسْمَعُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. اِرْجِعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ الْعُصَاةُ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي سُدْتُ عَلَيْكُمْ فَآخُذَكُمْ وَاحِدًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاثْنَيْنِ مِنَ الْعَشِيرَةِ، وَآتِي بِكُمْ إِلَى صِهْيَوْنَ”(ارميا12:3-14)،

يقول الأب السماوي لنا جميعاً: عودوا اليّ أيها الأبناء وستعطوا أفخر الثياب وتقام  لكم الموائد والأفراح وكل المنزل سيفرح كما جاء في مثل الإبن الضال:”أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ،وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ”(لوقا22:15-23).

انه يقول لنا: “يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ”(لوقا31:15). افرح يا بني معي فهناك احتفال في عودة وتوبة من يخطئ “أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ”(لوقا7:15).

“اِرْجِعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ الْعُصَاةُ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي سُدْتُ عَلَيْكُمْ فَآخُذَكُمْ وَاحِدًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاثْنَيْنِ مِنَ الْعَشِيرَةِ، وَآتِي بِكُمْ إِلَى صِهْيَوْنَ”(ارميا14:3) و “هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟”(حزقيال23:18) و”لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا”(حزقيال32:18).

أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا”(اشعيا25:43). “«اُذْكُرْ هذِهِ يَا يَعْقُوبُ، يَا إِسْرَائِيلُ، فَإِنَّكَ أَنْتَ عَبْدِي. قَدْ جَبَلْتُكَ. عَبْدٌ لِي أَنْتَ. يَا إِسْرَائِيلُ لاَ تُنْسَيِ مِنِّي. قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ». تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَعَلَ. اِهْتِفِي يَا أَسَافِلَ الأَرْضِ. أَشِيدِي أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَرَنُّمًا، الْوَعْرُ وَكُلُّ شَجَرَةٍ فِيهِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَدَى يَعْقُوبَ، وَفِي إِسْرَائِيلَ تَمَجَّد”(اشعيا21:44-23)َ.

“الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ.لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ. لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا.لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا.  كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ”(مزمور8:103-14).

 

الأسبوع الثالث-الأحد

في الروح والحق

يا مخلصي الحبيب، امام من يعترضون ضد الكنيسة يضع في الرغبة في ان افهم حقيقتك وأبغي أن أواجه تلك الإعتراضات التي يرفعونها ضد الإكرام والعبادة والسجود لسر القربان الأقدس.  انهم يدّعون ان كلمات الأنجيل المقدس لم تذكر ان الرسل قد قاموا بتكريم جسد ودم يسوع المسيح عندما كانوا يتناولونه, ولكن دعونا نسألهم هل قام الرسل بتكريم يسوع نفسه هذا الذي كان يجلس دائما معهم في شكله المنظور البشري العادي؟ ان تلك النفوس التي تتنازع حول تقديس القربان الأقدس ومهما كانت اجاباتهم فهم في الحقيقة يدينون انفسهم، فهل كرّم الرسل يسوع؟

فإذا ما قالوا “نعم” فهذا يعني انهم مؤمنين بذلك على الرغم انه لم يذكر ذلك في الأنجيل المقدس، أما إذا قالوا “لا” فكيف يمكنهم ان يستنتجوا الحقيقة بأنه غير مكتوب إذا ما كانوا الرسل قد قاموا بإكرام القربان الأقدس.

دعونا نتأمل فيما هو مكتوب عن العشاء الأخير عندما قال يسوع:”  

«خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي»(متى26:26) فلقد صدّقوه بدون تردد وبدون مناقشةهذا وهو قد قال لهم شيئا غريبا وعجيبا، وفعلوا بما قاله لهم وأكلوا” ما كان ظاهرا انه عبارة عن “خبز”، ولكنهم أخذوه بإيمان على انه “جسد حقيقي”، وفعلوا هذا أيضا مع الكأس المقدسة وشربوا من “الدم الحقيقي”فَشَرِبُوا مِنْهَا كُلُّهُمْ”(مرقس23:14).

لأجل أن تظهر فعل إيمان، أليس هذا نوع من إكرام يسوع المسيح عندما نأخذ جسده ودمه الأقديسين في سر الإفخارستيا؟

والقديس بولس”أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ. كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، َلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ”(1كورنثوس15:10-17). وأضاف محذراً:” إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ. إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ.لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ”(1كورنثوس23:11-29).

انه ليس جسد إنسان كما يشرح لنا القديس بولس بل هو الله الظاهر في الجسد، الخبز الحقيقي النازل من السماء والذي نضع رجاؤنا فيه بالحب فيعطينا الحياة ويثبتنا فيه الي الأبد “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»(متى53:6-58).

أليس بتناولنا جسد ودم الرب هو إكرام حقيقي وكامل؟، ما الذي يعني أن نضيف لمثل هذا الإيمان الظاهر، السجود والعبادة والركوع أو أية طريقة تعبر عن التكريم الحقيقي الخارجي ما عدا ان تظهر غير ما تبطنه قلوبنا؟

قال الرب يسوع للأعمى الذي شفاه:”هل تؤمن بإبن الإنسان؟”(متى35:9)، “أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ”(متى36:9-38). ما الذي فعله بنفسه امام يسوع اكثر من انه بلغة إضافية عما نطق به فمه “أؤمن يا سيد” سجد له تأكيدا لإيمانه. وماذا عن تلك المرأة التي لمسته لكي يشفيها والتي “جاءتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا”(لوقا43:8)، أليس هي قد أكرمته قبل أن تلقى بنفسها عند قدميه”جَاءَتْ مُرْتَعِدَةً وَخَرَّتْ لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ. فَقَالَ لَهَا: «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ»(لوقا47:8-48).

من ذا الذي لا يؤمن بيسوع الذي قال “هذا هو جسدي…هذا هو دمي” حتى يتناوله بهذا الإيمان بأن هذا الجسد هو جسد الله الذي يعطي الحياة الأبدية، وهذا الفعل الإيماني هو إكرام عظيم وكل السجود ليسوع المسيح نقوم به في كل مرة نأكل جسده ونشرب دمه كما يردد الكاهن في القداس الباسيلي:”لأن كل مرة تأكلون من هذا الخبز. وتشربون من هذه الكأس. تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي وتذكروني إلي أن أجئ”.

انه لهذا السبب نقرن الإكرام الداخلي بالخارجي نحو سر القربان الأقدس ونشهد عن إيماننا، ولهذا قال القديس أغسطينوس : انه ليس احد يأخذ من هذا الجسد بدون أن يكرّمه أولا”. فلنبدأ ونكرّم يسوع المسيح الموضوع على المذبح وهو هناك ينتظرنا فلا نتردد لحظة واحدةلنقترب ونتناول منه لنثبت فيه لكي ننال الحياة الأبدية.

اللهم، يا من ترك لنا ذكرى آلامه في هذا السرّ العجيب، هبْ لنا أن نُكرِّم جسدك ودمك المقدَّسين، فنجني في نفوسنا ثمرة فدائك على الدوام. أنت الحي المالك إلى دهر الدهور. آمين.  أيها الإله ربَّنا، إنَّنا نؤمن ونُقرّ بأنَّ يسوع المسيح، الذي ولدته مريم البتول، وقاسى آلام الصليب، حاضرٌ في سرّ القربان المقدّس، فهب لنا أن نستقي من هذا الينبوع الإلهيّ، ما يجعلنا أهلاً للخلاص الأبدي. بالمسيح ربنا. آمين. أيها الإله ربَّنا، اجعلنا نرفع إلى الحمل الذبيح من أجلنا، والمحتجب في سر القربان المقدّس، ما يليق به من الحمد والشكر، فنكون أهلاً لأن نراه في جلال المجد السرمدي. هو الحيّ المالك إلى دهر الدهور. آمين. لقد أعطيتنا، يا إلهنا الكريم، خبز السماء الحق، فهب لنا أن نحيا معك بقوّة هذا الغذاء الروحي، ونقوم قيامةً مجيدةً في اليوم الآخر. بالمسيح ربنا. آمين.
الأسبوع الثالث-الأثنين

صمت المسيح

ان الصمت والسكوت بصبر في المتاعب والمعاناة والضيقة والألم هو واحد من أصعب الممارسات التقوية المطلوبة في الحياة المسيحية. قليل من الناس يحبون ان يعانوا في صمت أمام الله وحده، بينما من الصعب والنادر أن تجدهم من يحبون المعاناة، أيضا هناك صعوبة أن تجد هؤلاء من يعانون بدون ان يحاولوا الإعلان عن هذا الألم للعالم. انه الصمت الذي يقدّس صلباننا وصعوباتنا وبالتدريج تزيد من استحقاقاتها. اذا ما وجدت انه من الصعب ان تعاني من صلبانك وحدك ولا تقدر ان تتغلب عليها فتذكر يسوع اذن. يسوع الذي تعرض لكل أنواع الإتهامات والأحزان والآلام وعانى امام اثم قضاة اشرار وامام شهود زور ومع هذا وقف امامها كلها كما جاء “يسوع كان صامتاً” (متى63:26). صمت يسوع العجيب ادهش حتى بيلاطس البنطي (متى14:27). تعرض يسوع لأىف الجروحات والمعايرات والشتائم والتجاديف من كل أنواع الناس، واُتهم زورا من اعداؤه ومن الكتبة والفريسيين. قالوا عنه انه “مجدّف” و”ثائر” و “خارج على القانون” و”مقلق السلام” ومتهرب من ضرائب الرومان وأخيرا ضلل الشعب بتعاليمه الجديدة.

حزن يسوع عند قتل اطفال بيت لحم (متى16:2-18)، وعندما قاومه يوحنا المعمدان ليعتمد فى نهر الأردن (متى13:3-16)، وعندما جُرّب فى البريـة من ابليس (متى 1:4-11)، وعندما علم بموت يوحنا المعمدان (متى 10:14-14)، وعندما اتكا مع الاثني عشر واخبرهم ان واحد منهم سوف يسلمه فحزنوا جدا و ابتدا كل واحد منهم يقول له هل انا هو يا رب حتى جاء يهوذا مسلمه والذي كان يغمس يده مع يسوع في الصحفة و قال هل انا هو يا سيدي قال له انت قلت(متى20:26-25)، وعند صلاته فى بستان الزيتون (متى 36:26-38)، وعندما جاء بعد صلاته فى البستان الى التلاميذ فوجدهم نياما قائلا اهكذا ما قدرتم ان تسهروا معي ساعة واحدة(متى 40:26)، وعندما تركه التلاميذ وهربوا عند القبض عليه (متى56:26)، وعندما كان رؤساء الكهنة و الشيوخ و المجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه و مع انه جاء شهود زور كثيرون (متى59:26-60).

حزن وتألم عندما اخذ عسكر الوالي يسوع الى دار الولاية و جمعوا عليه كل الكتيبة فعروه و البسوه رداء قرمزيا و ضفروا اكليلا من شوك و وضعوه على راسه و قصبة في يمينه و كانوا يجثون قدامه و يستهزئون به قائلين السلام يا ملك اليهود و بصقوا عليه و اخذوا القصبة و ضربوه على راسه و بعدما استهزئوا به نزعوا عنه الرداء و البسوه ثيابه و مضوا به للصلب (متى28:27-31)، وعندما اخذ الجند انسانا قيروانيا اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه (متى32:27)، ولما اتوا الى موضع يقال له جلجثة و هو المسمى موضع الجمجمة واعطوه خلا ممزوجا بمرارة ليشرب و لما ذاق لم يرد ان يشرب (متى33:27-34)، وعندما صلبوه ثم اقتسموا ثيابه مقترعين عليها(متى35:27)، وعندما جعلوا فوق راسه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود وهو ملك الملوك(متى37:27)، وعندما كان المجتازون يجدفون عليه و هم يهزون رؤوسهم قائلين يا ناقض الهيكل و بانيه في ثلاثة ايام خلص نفسك ان كنت ابن الله فانزل عن الصليب (متى40:27)، وعندما كان رؤساء الكهنة ايضا و هم يستهزئون مع الكتبة و الشيوخ قائلين خلص اخرين و اما نفسه فما يقدر ان يخلصها ان كان هو ملك اسرائيل فلينزل الان عن الصليب فنؤمن به. قد اتكل على الله فلينقذه الان ان اراده لانه قال انا ابن الله (متى41:27-43).

حزن يسوع وتألم عندما كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه

(متى44:27)، وعندما صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ايلي ايلي لما شبقتني اي الهي الهي لماذا تركتني (متى46:27)، وعندما ركض واحد من الجند و اخذ اسفنجة و ملاها خلا و جعلها على قصبة و سقاه (متى 48:27).

+ عندما جرحه يهوذا رسوله الـمختار الذى جعله أمينا للصندوق، واصبح الآن يهوذا علماً لكل خائن. الذى فضله فى أمانة الصندوق عن متى العشّار الذى كان من بين التلاميذ،وكان غيوراً واميناً لسيده وسار معه طول الوقت وجلس معه على مائدة الفِصح وغسل السيد رجليه وتناول فريضة العشاء،فـمن يخطر بباله أن يهوذا يخون!!.حقــاً لقد سببت خيانـة يهوذا للسيّد ألـماً نفسياً شديداً للغايـة.

+ عندما جرحه بطرس هـامـة الرسل الذى سلّمت إليه مفاتيح ملكوت السموات،بطرس الصخرة ورأس الكنيسة،بطرس الـمملوء حباً لـه والذى صرخ يومـاً قائلاً:أنا مستعد أن أتبعك يارب،إلى السجن وإلـى الـموت لأحلّ محلك فى العذاب والـموت. بطرس هذا أنكره ثلاث مرات وبقسم خوفـاً من جاريـّة.

+عندما جرحه الرسل الذين جمعهم وإختارهم ورباهم وكشف لهم أسرار ملكوت السموات ولقنهم تعاليمي الإلهية ثلاث سنين. هؤلاء الرسل الذين احبهم فلم يعوزهم شيئ لـما أرسلهم بلاحذاء ولا مال. هؤلاء أنفسهم لـمّا رأوه مقبوضاً عليّه كأحد الـمجرمين ومقيّداً كأحد اللصوص ولـّوا هاربيـن.

+عندما جرحه الخدم والعبيد الذين بصقوا عليّه وسخروا منه فغطّوا وجهه وضربوه قائلين تنبأ أيها الـمسيح من الذى ضربك!!

+عندما جرحه رؤساء الكهنة والفريسيون الذين كان الواجب عليهم بحكم وظيفتهم ألاّ ينطقوا إلاّ بالحق.هؤلاء إدعّوا عليّه باطلاً من انه جدّف وأمتنع عن أداء الجزيـة لقيصر.هؤلاء أيضا هزؤا منه قائلين:قد خلّص كثيرين ونفسه لم يقدر أن يخلصهـا.

+وعندما جرحه هيرودس الـمنافق الذى هزأ بـه وألبسه ثوباً لامعاً كالمجانين. وعندما جرحه بيلاطس الحاكم الجبان الذى تظاهر فى بادئ الأمر انه يحب الحق ولكنه قارن المسيح ببرأبا اللص الأثيم، كأن يسوع وبرأبا فى الجرم متساويان.ورغم إنه لـم يجد عليّه ذنباً يستوجب الموت، ومع ذلك حكم عليّه بالموت على الصليب.

+وعندما جرحه الشعب الذى هزأ بـه قائلاً:ياناقض الهيكل وبانيه فى ثلاثة أيام خلّص نفسك وانزل من على الصليب إن كنت إبن الله…!!

امام كل ما تعرض له يسوع من جروح وآلام لم يتكلم يسوع بأي كلمة

للدفاع عن نفسه ضد من مزق بشراسة سمعته ولم ينطق الحمل الوديع

ولم يفتح فاه.

يلزم علينا ان نتبع مثال يسوع في تحمله الآلام وصمته العجيب ونتذكر قول المرّنم: “صَوْتِي إِلَى اللهِ فَأَصْرُخُ. صَوْتِي إِلَى اللهِ فَأَصْغَى إِلَيَّ. فِي يَوْمِ ضِيقْيِ الْتَمَسْتُ الرَّبَّ. يَدِي فِي اللَّيْلِ انْبَسَطَتْ وَلَمْ تَخْدَرْ. أَبَتْ نَفْسِي التَّعْزِيَةَ. أَذْكُرُ اللهَ فَأَئِنُّ. أُنَاجِي نَفْسِي فَيُغْشَى عَلَى رُوحِي. سِلاَهْ. أَمْسَكْتَ أَجْفَانَ عَيْنَيَّ. انْزَعَجْتُ فَلَمْ أَتَكَلَّمْ”(مزمور1:77-4).

انه هناك وسط الألم تختبر نفوسنا ويقوى ايماننا بصبرنا. دعونا اذن انه في معانتنا وصعوباتنا ان لا ننظر الي أسبابها او نبحث عن شخص ما ونلقي عليه اللوم، بل علينا ان نرفع انظارنا نحو السماء لنرى الله نفسه والذي قد سمح بمثل تلك الصعوبات التي تحدث لنا من اجل خلاصنا هذا اذا ما عرفنا كيف نستفيد منها.

ان المسيحي الحقيقي يجب ان يقول الي الله ويرفع صلاته متذكراً  قول المرّنم:” فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ”(مزمور6:107).

                  

 

 

الأسبوع الثالث-الثلاثاء

المصالحة

من تعاليم السيد المسيح يمكننا ان نتعلم كيف ان الله يحب السلام واوصانا ان تصالح مع اخونا قبل ان نقدم ذبيحة او قربانا او صلاة امام الله”فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ”(متى23:5-24).  علينا اذن ان نطلب المصالحة وليس فقط عندما نخطئ الي الأخ بالفعل بل حتى اذا ما اعتقد بالخطأ اننا قد جرحناه، فيلزم ان نتخذ ما يجب حتى نرفع أي شر او شبه شر قد تكون قد أصابه منا.

ان اول هدية نقدمها الي الله هو قلب نقي من كل فتور او جحود او قلة محبة او صداقة زائفة نحو اخوتنا ويلزم الا ننتظر حتى يوم الأحد سواء اننا كنا معا او وحدنا في قداس الأحد فان يوم الرب يلزم ان يبدأ بالمصالحة. القديس بولس يعلمنا انه “لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ”(افسس26:4)، والقديس يعقوب ينصحنا إ”ِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ”(يعقوب19:1-20)، والقديس بطرس يقول لنا:” طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ”(1بطرس22:1)، و”لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا”(1بطرس8:4).

وفي الصلاة الربانية التي علمها لنا السيد المسيح نقول:” وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا”َ(متى12:6)ثم أضاف الرب يسوع:”فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ”(متى14:6-15).

اذا لم تغفر لأخيك فقد ادنت من فمك كما قيل السيد للعبد الذي اخفى الوزنات “مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ”(لوقا22:19)، فلنراقب انفسنا ونحن نصلي طالبين المغفرة فهل غفرنا وتصالحنا مع اخونا؟

وفي الحقيقة إذا تـمت الـمصالحة بين اللـه والناس سهلت الـمصالحة بين الناس مع بعضهم البعض، لأن الـمصالحة مع اللـه تطالبنـا بتنفيذ إرادة الـمسيح فيـنـا.

يقول الـمسيح:”انـى أعطيتكم وصيّة جديدة أن يحب بعضكم بعضاً وأن

يكون حبكم بعضكم لبعض كـما أحببتكم انـا”(يوحنا34:13). والـمصالحة

بين الناس تهدف الى العمل على التعايش السلمي بحيث يسعى جميع الناس الى تكوين أسرة واحدة تعيش فى الـمحبة، لا فى العداء، والى إنـماء الوعي فى تقدير الواجب ومعرفـة جمال الحياة الجامعة بين الناس بدلاً من التطاحن والتقاتـل.

فلنطلب جميعـاً من الروح القدس – مبدأ الـمصالحـة- أن يعطى الجميع القوة الضروريـة حتى يصبح كل إنسان أداة سلام وتفاهم ومـحبـة.

والـمصالحـة الـمطلوبـة هـى: مصالحـة مع اللـه بالتـوبـة و مصالحـة مع القريب بالـمحبة والتسامح.

والـمصالحة هـى فى صالح الإنسان لأنـه بدونها لا يشعر براحة القلب وسعادته. فالقديس أغسطينوس يقول مخاطبـاً اللـه:” يا إلهـي انك خلقت هذا القلب من أجلك ولا راحـة لـه إلاّ منك”.

والكتاب الـمقدس يقول:” أنبذوا عنكم جميع معاصيكم التى عصيتم بها واصنعوا لكم قلباً جديداً فلماذا تموتون يا آل اسرائيل” (حزقيال31:18). وايضاً “اقلع عن ذنوبك وقوّم أعمالك ونق قلبك من كل خطيئة”.

واللـه يريد أن يصالحنا معه عن طريق الـمسيح يسوع فقد قرر هو “أن

يصالح بـه الجميع لنفسه مسالـماً بدم صليبه ما على الأرض وما فى

السموات”(كولوسى20:1).

ولذلك  يريد يسوع أن يتقابل معنـا كما تقابل مع نيقوديموس والـمرأة السامريـة وزكا العشّار الذين تغيـر مجرى حياتهم بقبولهم رسالته الخلاصـية. أنـه يقول لنـا:”تعالوا إلـيّ” (متى18:11)، ويقول اشعيا النبي:”هلّموا إبتاعوا بغيـر فضة ولا ثمن خمراً ولبنـاً”(اشعيا1:55).

 

الأسبوع الثالث- الأربعاء

ولا حرف او نقطة واحدة ستسقط

ان الحياة المسيحية تتطلب الدقة الشديدة ويجب ان نلاحظ كل شيئ بعناية فائقة ونبتعد عن كل ما هو غير نافع ومضّر، واذا ما انشغلنا في أشياء صغيرة سيقودنا هذا الي شر أكبر”وَالَّذِي يَحْتَقِرُ الْيَسِيرَ يَسْقُطُ شَيْئاً فَشَيْئاً”(يشوع ابن سيراخ1:19).

ان يسوع المسيح ليضع لنا أسس الحياة المسيحية اعطانا هذا الأساس العجيب:” فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ”(متى18:5). كان لدي يسوع المعرفة الكاملة بالناموس وبكل ما جاء عنه ولهذا قال :” أَنِّي جِئْتُ …لأُكَمِّلَ”(متى17:5). ولكن ماذا قيل عنه في الناموس: ولادة المسيح من عذراء-الآمه-صليبه-قيامته-تحول العالم والأمميين وعقاب اليهود. تلك كلها النقاط الرئيسية وليس الكل فهناك الحرف والنقطة والكلمة ومع انها أشياء ثانوية ولكنها جميعا لابد ان تتم فكان مهم ان ثيابه تلك التي اقتسمها الجند واقترعوا عليها كما تنبأ عنه في القديم فتمت بالحرف الواحد فيما بعد وغيرها من النبؤات جميعها تحققت في المسيح يسوع. فـالعهد القديـم بكامله من ناموس وتاريخ وطقوس ونبوات ومزامير وشخصيات ورموز جاء برسم كامل للـمسيّا، فتحدث عن وظيفـة الـمخلّص ورسالتـه وظروف دعوتـه والعائلة التى سيجئ منها والمكان الذى سيولد فيه والزمن الذى سيولد فيه،ومعجزاته والوهيته وإتضاعه وصلبه وموته وقيامته فى اليوم الثالث وصعوده الى السماء ومجيئه الثانـي فى المجد وملكوته الابدي. ولقد تطابق الناموس والنبوات والمزامير فى المسيح يسوع ابن مريم العذراء، وهذا ما قام بشرحـه يسوع مع تلميذي عمواس ليفهموا الـمكتوب عنه:”ثم إبتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور الـمختصة بـه فى جميع الكتب”(لوقا25:24-27).

ان السيد المسيح يعني ان كل شيئ قيل ورُمز عنه في القديم تم وكتب

في العهد الجديد حتى ابسط التفاصيل ودقائق الأمور تمت بالفعل دون

ان تسقط كلمة او حرف منها.

والكثير مما جاء في العهد القديم من اقوال او آيات تم ذكرها في كتابات العهد الجديد فكأن السيد المسيح يعلمنا ان كل رمز او شخصية او نبؤة ذُكرت في العهد القديم عن المخلص تمت في يسوع المسيح لهذا جاء: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)،

لهذا يجب ان نؤمن بأن كل ما جاء عن العقوبات سيتم وأيضا كل ما جاء عن الوعود المنتظرة سيتحقق وانظر الي المصلوب وتمعن فيمن تحقق فيه وبه كل المواعيد وقل لنفسك كل شيئ قد تم وكمُل والسعادة التي وعدني بها الله ستتحقق فانا احبه واسبحه في كل وقت وآن وكل ما ابتغيه سيتحقق وكل رجائي سيتم فهو الرب الصادق والأمين و”طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ”(رؤيا14:22) فتعال أيها الرب. آمين.

 

الأسبوع الثالث-الخميس

كاهن ونبي وملك

لكم نحن مدينين ليسوع ووصيته ان نحب الله وانه الوسيط الوحيد بين الله

والناس وصورة الله المنظورة وتجسيد لحب الله لنا وحبنا له. ولنتعرف على المسيح بصورة اعمق علينا بالرجوع الي الصورة التي رأها الأباء عنه فابراهيم اب الأباء فرح وتهلل ان يراه كما جاء عن لسان يسوع:” أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ»(يوحنا56:8) وداود يراه ويقول:” قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»(مزمور1:110). فالله اعطى إبراهيم الوعد بان يكثر بركاته ولذا اعطى داود العرش الذي يبقى دائما تحت الشمس:”لاَ أَنْقُضُ عَهْدِي، وَلاَ أُغَيِّرُ مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيَّ. مَرَّةً حَلَفْتُ بِقُدْسِي، أَنِّي لاَ أَكْذِبُ لِدَاوُدَ: نَسْلُهُ إِلَى الدَّهْرِ يَكُونُ، وَكُرْسِيُّهُ كَالشَّمْسِ أَمَامِي. مِثْلَ الْقَمَرِ يُثَبَّتُ إِلَى الدَّهْرِ. وَالشَّاهِدُ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ”(مزمور35:89-37).

لقد وجّه يسوع سؤاله للفريسيين ليرفع انظارهم ليعرفوا حقيقته:” قَائلاً: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»(متى42:22-45). وبدلا من ان يعودوا الي ما كُتب عنه واكملوا تلك الآيات والتي قيلت بفم الله:” لك الرئاسة يوم ولدت في بهاء القداسة من الرحم, من الفجر ولدتك”(مزمور3:110)، ولكنهم:” فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً”(متى46:22).

يسوع المسيح كما هو مكتوب رئيس كهنتنا ” أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»(مزمور4:110) و”فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ(عبرانيين14:4-16).

لَاحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ (عبرانيين 3: 1).

كَذ لِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ . كَمَا يَقُولُ أَيْضاً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الْأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ (عبرانيين 5: 5 و 6).

لم يكن كهنوت هرون في العهد القديم بقَسَم من اللّه، لكن كهنوت المسيا المخلص الآتي، بقَسَم لا رجوع فيه شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ,,, لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ بِحَسَبِ قُّوَةِ حَيَاةٍ لَا تَزُولُ (عبرانيين 7: 15 و16). وفي هذا الوعد بقسَم من اللّه الآب للّه الابن ما يريح قلوب أولاد اللّه. ولقد حاول الملك عزيا أن يقوم بعمل الكاهن، فعاقبه اللّه، مما يثبت أن داود لا يمكن أن يكون الملك الكاهن (2 أخبار 26: 16 – 21). وقسَم اللّه يبيّن أن الملك الكاهن لا مثيل له، فإن داود مات، لكن هذا الكاهن على رتبة ملكي صادق حي إلى الأبد. ويصف زكريا 6: 9 – 15 المسيا بالقول: يجلس ويتسلَّط على كرسيّه، ويكون كاهناً على كرسيه.

يسوع هو النبي وكما تنبأ عنه في القديم:” أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ (التثنية 18: 18). وتحقق ذلك في العهد الجديد:” فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ (متى 21: 11 – أنظر لوقا 7: 16 ، يوحنا 4: 19 ، 6: 14 ، 7: 40).  وقالت السامرية للمسيح: يا سيد أرى أنك نبي (يوحنا 4: 19). وقد كان اليهود يتوقعون أن يكون المسيا نبياً كموسى (كما جاء التثنية 18) كما كانوا يتوقعون أن يكون صانع معجزات. لِأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا (يوحنا 1: 17).

ويسوع هو الملك فكما تنبأ في القديم:” أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي (مزمور 2: 6 – أنظر زكريا 9: 9 ، إرميا 23: 5). وتحقق ذلك “وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ

الْيَهُودِ (متى 27: 37 – أنظر متى 21: 5 ، يوحنا 18: 33 – 38).

يا الله، أيها الرب، أيها الملك، يا رئيس الكهنة الأعظم، ها انا أوحد نفسي بعظمتك وألوهيتك وملكوتك وكهنوتك تلك التي أراها في ايمان من اخترتهم ليكونوا رعاتك وليحملوا رسالتك لكل البشر، فساعدني أيها القدوس لأتقدس في اسمك وأقدس أخوتي حتى نلتقي بك في السماء الي دهر الدهور. آمين.

 

الأسبوع الثالث-الجمعة

الوصية العظمى

«يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟»(متى36:22)، هذا هو السؤال الذي طرحه احد الفريسيين ليسوع “ليجربه” ولكن يسوع الذي هو الحق ذاته دائما يوجه أنظارنا الي الأساس ألا وهو الله ولهذا السبب استخدم ما جاء في العهد القديم على لسان الرب عند اجابته عن الوصية العظمى:”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ

إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ”(تثنية4:6-5).

هنا اعلن الله عن عظمته مطالبا ان نكرس كل ذواتنا وحبنا كله له وحده وبهذا يملك بهذا الحب على قلوبنا، فالحب الكامل يجب ان يكون للكامل وحده. ولهذا كانت إجابة المخلص للسؤال بالرجوع للنص الكتابي الذي يوصينا ويأمرنا ان نتحد بالتمام مع مشيئة الله بأن نحبه. وقد يقال ان توجيه كل الحب نحو الله سوف لا يترك لنا أي حب نحو القريب، ولكن الرب يسوع أضاف الوصية التي تلزمنا ان نحب القريب كنفسنا واستخدم كلمة “القريب” بدلا من “الصديق” او “الأخ” كما جاءت في الشريعة فكلمة “القريب” تحمل كل من يشترك في طبيعتنا وهذا ما شرحه المعلّم في مثل السامري الصالح (لوقا29:10).

ففي قصة الرجل الذى وقع بين أيدي لصوص فى الطريق بين اورشليم وأريحا وكيف ان قابله كاهنا فجاز وقابله لاوي وجاز وقابله السامري فتحنن عليه وحمله على دابة وارسله الى الفندق ليعتنى بأمره ودفع عنه دينارين (لوقا30:10-37). فالقريب هو السامري ولو ان العداوة شديدة بين اليهود والسامريين. ومن هذا المثل يستنتج وصية المسيح القائلة:”أحبوا أعداءكم وأحسنوا الى من يبغضكم”. وبهذا المثل نفهم ايضاً قول السيد المسيح:”اني أعطيكم وصية جديدة”، فالمحبة وصية أزلية ولكن الجديد فى وصية المسيح هو محبة الأعداء، فهو يقول لنا:”فانكم ان أحببتم من يحبكم فاية فضل منكم فإن الخطأة يحبون من يحبهم”(لوقا32:6).

بدون المحبة لا فائدة من كل الفضائل الأخرى لأن الفضائل كلها تزول بالموت ولكن تبقى المحبة، ولهذا يقول القديس بولس الرسول:”لو كنت أنطق بألسنة الملائكة وأبشر ولم تكن فيّ المحبة فانما أنا نحاس يطن وصنج يرّن. ولو كانت لي النبوة… ولوكانت لي الإيمان كله حتى أنقل الجبال ولم تكن فيّ المحبة فلست بشيئ. ولو سلّمت أموالي للمساكين وجسدي ليحرق ولم تكن فيّ المحبة فلا أنتفع شيئاً”(1كورنثوس1:13-3).

“بهذا يعلم الجميع انكم تلاميذي اذا كنتم تحبون بعضكم بعضاً”. لقد أعطى السيد المسيح علامة المحبة لتكون عربوناً بين الأخوة، فديانة المسيح هى ديانة السلام، ديانة التعاون. والمحبة كما يقول القديس بولس “تتأنى وتصبر وتحتمل”، وكما يقول القديس يعقوب” المحبة تستر جماً من الخطايا”.

لقد لخص السيد المسيح كل الشريعة والوصايا العشر ألي اساسين:

اللوحة الأولى تتضمن محبة الله واللوحة الثانية محبة القريب “بِهَاتَيْنِ

الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ»(متى40:22).

فلنطلب من الله أن يغرس فينا محبتـه لكي نحب الآخريـن ولتظهر محبتـه فينـا فيروا أعماله فينـا فيمجدوه دائمـاً.

يا يسوع اعطني هذه النعمة واملأ نفسي بروحك القدوس والذي هو المحبة الأزلية وهو الحب للأب ولك أيها القدوس، حتى يمكنني ان أتعلم كيف أحبك وبهذا الحب الذي لك أحب الجميع. آمين.

 

الأسبوع الثالث-السبت

بالمسيح يسوع ربنـا

“إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ”(يوحنا7:15). ان كل من يريد أن يصلي عليه ان يضع في قلبه هذه الكلمات:” لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا”(يوحنا5:15) لا شيئ، لا شيئ البتة يمكننا ان نفعله بدون الرب يسوع. نصلي، نتوسل لأننا لا يمكننا بالتبعية ان نفعل شيئ او ان نملك شيئ، لهذا يجب ان نصلي عالمين انه تُسمع صلاتنا اذا ما كانت باسم يسوع المسيح ولكن أيضا في اسمه يمكننا ان نحصل عليها كلها.ُ

هنا حقيقتان عن الصلاة، أولا نحن لا يُستجاب من اجل شخصنا ولكن

باسم يسوع المسيح، والثانية لأنه ليس بسبب صلاتنا وكلماتنا بل من الروح القدس الساكن فينا. انه ليس فقط علينا ان نصلي طبقا لما علمه لنا يسوع وحسب ما يدفعنا الروح ان ننطق به لكن بدونه لا يمكننا ان نصلي على الإطلاق كما شرح لنا القديس بولس:” وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا”(رومية26:8).

حتى اذا ما نظرنا الى هذه الحقيقة “بدوني لا تستطيعون شيئا”، ولكن لا يجب ان يغيب عنا قوله:” أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي”(فيليبي13:4). انا لا استطيع بدونه ان افعل أي شيئ ولكن مع المسيح يسوع استطيع، ولهذا نسمع معظم الصلوات في الكنيسة تنتهي “بالمسيح يسوع ربنا”. بتلك الكلمات هي اعترافنا باننا بلا قوة وتعلن عن اتضاعنا وانه مصدر قوتنا وعزاؤنا، وحتى عند صلاتنا لأمنا مريم العذراء وللقديسين يلزم ان ننهي صلاتنا “بالمسيح يسوع ربنا”.  وليس فقط بعد صلاتنا بل نرددها في كل وقت لأننا بهذا نتذكر المسيح يسوع دائما ونعترف باننا بدونه لا شيئ وهو مصدر حياتنا ورجاؤنا.

يظن البعض أنهم بصلاتهم يقدمون خدمـة للـه أو يظنون أنهم بكثرة كلامهم يُستجاب لهـم(متى7:6)، لذلك ترى هؤلاء يقدمون صلواتهـم بروح التهاون وعدم الإكتراث. وهذه الروح أشد إيلامـاً لقلب اللـه من تقديـم الصلاة نفسهـا. صلاة بدون الروح القدس هى جسد بدون حيـاة. وكل إنسان ليس فيـه روح اللـه لا يـمكنـه أن يقدم صلاة فى الروح،كما أن صلاة يقدمهـا الإنسان بدون أن ينتظر إرشاد الروح هـى صلاة بدون روح. فعلينـا أن نطلب إرشاد الروح القدس لنـا فى كل ما ينبغي أن نصلّي من أجلـه فتكون صلاتنـا فى الروح(يهوذا20).

وفي النهاية علينا ان نعي تماما انه لـن تقبـل أي صلاة لا تقدّم بإسم الـمسيح يسوع،لأنـه هو الذى يتقدم بنـا إلـى اللـه الآب،وبدونـه لا يـمكننـا الإقتراب أمام الآب السماوي،ولا يـمكننـا أن نسمعـه صوتنـا. ولذا يقول السيد الـمسيح:”كل ما طلبتم من الآب بإسمي يعطيكم. إلـى الآن لـم تطلبوا شيئـاً بإسمي”(يوحنا23:16-26)، إذ أن لنـا فى هذه الشفاعـة حقاً شرعيـاً بحكم بنوتنـا للـه.

صلاة: يارب أهدنـي الى الصلاة الحقيقيـة حتى أعترف أنك إلهـي، أنت خيري وحظي. أنت الـمُحسن إلـيّ، علـمني أن أرفع إليـك سؤالـي بكل تواضع وإيـمان وحرارة وإجعلنـي أن أثبت الى النهايـة لأسبّحك وأمجدك إلـى أبـد الأبديـن. آميـن.

 

الأسبوع الرابع – الأحد

الحياة الخفيّة في الله

لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ

حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ”(كولوسي3:3-4).

لقد متنا عن الخطيئة، متنا عنها بالعماد المقدس وبالتوبة وبإعترافنا بالمسيح. اماتة الخطية تعني إماتة الإنسان العتيق أو الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن آدم، وتغلغلت فينا، وملكت على أعماقنا، فأفسدت إرادتنا وأفكارنا وعواطفنا وأحاسيسنا. وظهر آثارها على كل حياة الإنسان الداخلية وسلوكه، لهذا دعيت “الإنسان القديم“. إنها الطبيعة الفاسدة التي تثير الزنى والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة والطمع، إن لم يكن في السلوك الظاهر ففي الفكر، وإن لم تكن بالفكر، تبقي كامنة في اللاشعور حتى تتحين الفرصة لتسيطر وتوجه كل كيان الإنسان.

عندما طلب القديس بولس :لأنكم قد متم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله”، فالموت الذي يتحدث عنه هنا ليس الموت البدني، ولا هو الانفصال عن الله. فالموت انفصال, لكن الانفصال هنا عن العالم وشروره بل هو أيضًا بمعنى أن ندير ظهورنا إلى أساليب حياتنا القديمة.

ان المسيحيةُ ليست سلسلةً من أعمال التخلي فقط، بقدر ما هي تمتع

بالحياة الجديدة, فكُلَّما عرفنا المسيح أفضل لا تعود أمور كثيرة تجتذب اهتماماتنا. إذ يضيف المسيح الكثير إلى حياتنا فلا تتسع لمزيد من الأمور العتيقة. به فقدنا متعة اللذة بأعمال الإنسان العتيق, وصرنا الآن منشغلين تمامًا بالحياة الجديدة في المسيح. يحثُّنا القديس بولس أن نُميت الطبيعة القديمة، فنكُف عن كل رذائلها والتي ضمها بولس في قائمة واحدة, أي الموت والفساد والنجاسة والشهوة الردية والطمع, ثم الغضب الناجم عن الأهواء الردية والنقمة وخطايا الكلام الكثيرة, فلنكف على الدوام عن تلك الخطايا, وهذا الأمر مستطاع في المسيح. لذلك قال بولس الرسول:” إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ”(رومية1:8-2) ولهذا جاء:”نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِك ليْسَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ. فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ. لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ.  لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ”(رمية4:8-14).

 

الأسبوع الرابع – الأثنين

الحياة الخفيّة في الله (2)

ان حياتي “مستترة مع المسيح في الله”(كولوسي4:3)، انه هنا يجب ان نفتح قلوبنا في صمت وسلام ونحن نتأمل في حياة يسوع الخفيّة.

الله في مجده اخفى نفسه تحت ستار الطبيعة المائتة “سِرِّ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ، الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ”(كولوسي3:2).  هذه هي الخطوة الأولى والثانية هي انه اختفى في رحم عذراء وآية الحبل العذري اختفى تحت ستر الزواج وحتى انه سبب ليوحنا المعمدان ان يتعرف عليه وهو في بطن امه اليصابات حيث كان حينئذ قال امه بوحي من الروح القدس:” فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي”(لوقا44:1). ولكنه اظهر نفسه عندما اتى للعالم للرعاة وللمجوس وكما قال عنه يوحنا الرسول:” كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ”(يوحنا10:1). العالم كله تجاهله وطفولته لم يُذكر عنها شيئ خاص حتى انه قيل:” فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «كَيْفَ هذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟»(يوحنا15:7). لقد ظهر مرة وهو عمره 12 سنة عندما “وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ”(لوقا46:2). وفي الحقيقة ان “كُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ”(لوقا47:2)وكانت اجابته لأبويه مفاجئة عندما كانا يبحثان عنه:” فَقَالَ لَهُمَا: «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟». فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلاَمَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا”(لوقا49:2-50). مريم امه تلك التي بشرها الملاك بميلاده السماوي وعن ملكوته لم تفتح فاها ولم تتكلم عنه ويوسف ابوه الإعتباري وما اعلن له من الملاك عن ما هو هذا الطفل العجيب، قيل: “وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ”(لوقا33:2). هذا الصمت عن طفولة يسوع كان هذا لكون يوسف مريم لا يريدون اعلان السر الذي ائتمنتهم السماء عليه فخبئوا كنزهم حتى ان بلغ يسوع الثلاثين عاما وهو كونه نجارا لإبن نجار حتى بدء رسالته العلنية.

تلك الفترة الخفية من حياة يسوع والتي لم تذكرها الأناجيل كانت ملأنة

بالأحداث التي لم تدون. وعند بدء رسالته واجه العديد من الهجوم والإنتقادات وتنازع من آمن به انه المسيّا مع من اتهمه انه من اتباع بعلزبول ومن انه عدو الهيكل وانه ليس شيئ صالح يخرج من الجليل، ومن لم يعرف من هو ومن اين أتى وآخرون عرفوه بالنجار ابن مريم، ومن انه ليس من الله لأنه لا يحترم شريعة السبت ويشفي ويصنع معجزاته. هكذا جاء:” فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ(يوحنا43:7) ولم يعرفوه “كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ”(يوحنا10:1-11) وصدق قول الرب على لسان اشعيا النبي في القديم:” حَقًّا أَنْتَ إِلهٌ مُحْتَجِبٌ يَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْمُخَلِّصَ”(اشعيا15:45).

ولكن عندما أتت الساعة لخلاص العالم لم يستطع ان يخفي نفسه “مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ”(اشعيا3:53).

لقد مات ووضع في القبر وكاد ان يُنسى وحتى مريم المجدلية لم تجده وقالت “إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!»(يوحنا13:20). بعد القيامة ظهر واختفى ثمانية او عشر مرات واظهر نفسه لأخر مرة واخذته سحابة نحو السماء عن انظارنا. اعلن مجده حول العالم كله ومع انه قوة الله للمؤمنين به فهو مازال لليهود عثرة “وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ(1كورنثوس23:1-24).

ان العالم لم يعرفه ويتمنى ان لا يعرفه فالأرض مملوءة من اعداؤه ومن يجدفون عليه، وازدادت البِدع والهرطقات داخل كنيسته وخارجها محاولة لزعزعة المؤمنين به.  ان العالم لم يعرفه “وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً”(يوحنا19:1).

يا مخلصي الحبيب اجعلني بنورك اعرفك انت هو الطريق والحق للحياة الأبدية. آمين.

 

الأسبوع الرابع  – الثلاثاء

الحياة الخفية مع المسيح في الله (3)

يارب الي اين ستأخنس؟ أي نور جديد ستشرقه عليّ؟ لقد رأيت تحقيق ما قاله سمعان الشيخ:” «هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ”(لوقا34:2). يا مخلصي ما الذي اراه من تلك الكلمات سوى شخصية المسيح الأتي في عظمته والوهيته.

انه شكل من عظمة الله ان يكون معلنا بطرق عديدة والقليل هو

المعروف عنه، وأن أعماله تضيئ وقد تُهمل من مخلوقاته. لقد تكلم مع الإنسان ولم يتركه بدون إعلانات ولكنه أخفى نفسه من كل كبرياء وترك الحرية للبشر ان يروا نوره وعظمته وصلاحه. ما الذي يحتاجه الله لكي يتعرف عليه البشر؟ هو بذاته فقط. ان معرفتنا به ليست هبة نعطيها له بل نعمة يعطيها هو لنا. نحن الذين نعاقب اذا لم نعرفه ومجد معرفته هو صالح لنا وليس له.  انه شر لمن لا يعرف الله او يرفض معرفته وهذا يسبب تعاسة للإنسان. ماذا يعني للشمس اذا لم نراها، فهي مازالت هناك تشرق وتضيئ ومن لم يراها يحيا في ظلام دامس او يحترق من حرارتها. ولكن لماذا اخذنا الشمس مثالا هنا على الرغم من ان لدينا اعظم من الشمس، فلنأخذ نورا آخر مستعد دائما أن يشع في أعماق نفوسنا ويملأها بالنور. أنه النور الأزلي الذي أتى الى العالم: “أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ”(يوحنا46:12)، لهذا قال يسوع: “فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ»(يوحنا35:12-36).

كل من يسلك في النور منفذا وصايا المسيح تاركا طريق الخطية،

ستكون له العين المفتوحة التي ترى وتبصر النور. فالنور لا يراه سوى مفتوح العينين صاحب القلب النقى “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (متى8:5). وهذا يعنى أنه سيدرك المسيح حقيقة، فالمسيح هو النور، وهذا معنى مثل الرب في (متى24:7-27) .

ومن إنفتحت عيناه سيرى المسيح ويعرفه، ومن يعرفه حقيقة سيحبه وسيؤمن به. بل سيسكن عنده الآب والابن (يوحنا14 : 23) .

من يسكن عنده الآب والابن ستتغير طبيعته إلى طبيعة نورانية، فالنور الحقيقى يسكن فيه وينعكس عليه.

وكل إنسان أمامه طريق من إثنين: إما يختار المسيح فيختار طريق النور والحياة الأبدية، ولاحظ أن من يختار هذا الطريق يساعده المسيح، فبدون المسيح لن نقدر أن نفعل شيئا (يوحنا5:15). أو يختار الإنسان طريق الظلمة أي طريق الخطية وشهوات الجسد، فيقع في براثن سلطان الظلمة أي الشيطان (لوقا53:22) ونهاية هذا الطريق الموت.

وهذا نفس ما ردده موسى النبي في العهد القديم “قد جعلت قدامك الحياة والموت. البركة واللعنة. فإختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك” (تث30 : 19) .

 

الأسبوع الرابع – الأربعاء

الله هو حياة الروح

ياالله، لقد كونت نفسي من طبيعة مختلفة عن جسدي لأنك بعد ان كونت هذا الجسد من الطين من ارض رطبة فلم يكن من الأرض او الماء او من خليط من رطوبة وتراب جاف او من أي مادة أخرى ثم وضعت فيها النفس ومزجتها بتلك المادة لتعطيها الحياة. انها منك انت يا الله “وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً”(تكوين7:2). وتحرك الانسان وليس من حركة أعضاؤه وليس نتيجة توافق العناصر ولكن بأساس الحياة الذي هو منك أنت وحدك وبذلك اوجدت خليقة جديدة مختلفة تماما عن أي من الخلائق الأخرى التي اوجدتها في العالم المادي هذا، ولهذا عندما أردت ان تخلق الإنسان بدأت شيئا جديداً، خليقة جديدة وبطريقة مستحدثة مختلفة وعجيبة عن أي طريقة أخرى انت خلقتها، فلم توجد بكلمة “لتكن” بل “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ”(تكوين26:1-27).

لقد صنع الله هذه النفس من طبيعة غير فانية، فلقد صنع الله الإنسان على صورته ومثاله، ونفس الإنسان مشتركة ونابعة من حياة الله لهذا فهي دائما تتوق وتتطلع الي الحياة مع الله وهي لذلك لا تخضع للمادة وقوانينها بل لقانون آخر خاص بها وحدها، ولهذا فالنفس لا تموت مهما حدث لها من تغيي.

الله لم يصنع الموت بل بالعكس لقد خلق النفس لتسكن في اتحاد لا ينفصم مع الجسد البشري. ولكن اضطرب تلك العلاقة بعد سقوط الإنسان “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”(رومية12:5). يشرح لنا القديس بولس كيفية هذه الوحدة ما بين الجسد والنفس “لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ”( رومية15:7) ولهذا صرخ قائلاً: وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟(رومية24:7).

ولهذا السبب حطم ابن الله الموت بعد ان حطّم الخطيئة ولهذا يطالبنا الرب يسوع بالتوبة والندامة في هذه الحياة لنتغلب بها على الخطيئة وبهذا ننال في القيامة الحياة الأبدية بعد الموت.

لقد طالبنا يسوع المسيح ان نولد ثانية «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ

أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ»(يوحنا3:3)، وجاء في القديم قول الرب:” قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟(حزقيال11:33).

المسيح يدعونا ان نخرج من قبورنا ونترك خلفنا جميع العادات السيئة “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ”(يوحنا25:5).

انه في الموت نرى الجسد باردا بلا إحساس ولا قوة او حركة فكيف تكون اذن حالة النفس التي تنفصل عن الله بالخطيئة؟ لهذا يقول القديس يوحنا الرسول:” كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي”(1يوحنا4:3).

لهذا يذّكرنا القديس بولس:” وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ.إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ”(غلاطية16:5-25).

 

الأسبوع الرابع-الخميس

شهادة المعمدان

وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قُلْتُمْ لِي عَنْهَا أَقُولُ لَكُمْ أَنَا أَيْضًا بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا:  مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟» فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، نَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّ يُوحَنَّا عِنْدَ الْجَمِيعِ مِثْلُ نَبِيٍّ». فَأَجَابُوا يَسُوعَ وَقَالُوا: «لاَ نَعْلَمُ». فَقَالَ لَهُمْ هُوَ أَيْضًا: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا”(متى23:21-27).

كان يمكن ليسوع المسيح ان يعتمد على شهادة القديس يوحنا المعمدان وهو الذي كان سابق للمخلص ولم يكن هو العريس ولكن صديق العريس، ولم يكن المعمدان هو المسيح ولكنه قد اُرسل ليُعد الطريق والذي لم يكن مستحقا كما قال ان يفك سيور حذائه:” وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ: «إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ». فَسَأَلُوهُ: «إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا». «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ». فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: «أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ». وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، فَسَأَلُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ؟» أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا قِائِلاً: «أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ»(يوحنا19:2-27).

لم يعتمد يسوع لشهادة يوحنا المعمدان مهما كانت لإقناع من هم غير مستعدين للإيمان بالمسيح نفسه. يوحنا المعمدان لم يصنع اية معجزة اما يسوع فملأ اليهودية بالعديد من المعجزات. علّم وتكلّم يوحنا المعمدان كرسول او خادم، بينما يسوع كان يعلّم ويتكلم كمن له سلطان وكإبن يعلن ما قد رآه في منزل الله الأب، لهذا قال القديس أغسطينوس:”ان عيوننا ضعيفة لا تبصر، فالنور ولا حتى الشمس يمكنها ان تفتح عيوننا لمعرفة الحقيقة وهذا ما قاله يسوع:” وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي”(يوحنا36:5).

اذا ما تأملنا ما جاء في الانجيل حسب متى البشير:” مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟» فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟(متى25:21) ولقد قال لهم يسوع كل ما يثبت “من هو”، ولكنهم لم يعرفوا بماذا يجيبون، وأضاف يسوع “أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ، وَلكِنِّي أَقُولُ هذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً”(يوحنا33:5-35). واذا اعترفوا الفريسيون والكتبة بأن رسالة يوحنا المعمدان من السماء كانت ادانتهم كافية ويُخرس ألسنتهم لأن يوحنا هذا شهد عنه ولكنهم صمتوا: “فَأَجَابُوا يَسُوعَ وَقَالُوا: «لاَ نَعْلَمُ». فَقَالَ لَهُمْ هُوَ أَيْضًا: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا”(متى26:21).

ان الناس ذو الإيمان الضعيف لم يعترفوا او ينكروا رسالة يوحنا المعمدان بل خافوا ولم يعلنوا ايمانهم او شهادتهم.

اعتراف، نكران، او صمت تلك هي ردود الفعل التي امامك، ولكن هناك طريق آخر هو أن تؤمن بالمسيح وتسير معه والذي شهد عنه المعمدان:” وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ». وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»(يوحنا30:1-34). وما قاله يسوع:” أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ، وَلكِنِّي أَقُولُ هذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً. وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي”(يوحنا33:5-36).

تلك هي شهادة يوحنا المعمدان والتي بها يمكنك أن تؤمن وتنال الخلاص، أو تنكر وتبقى كما أنت بدون خلاص وهذا تماما كان موقف رئيس الكهنة والفريسيين والكتبة المنافقون ولم يسعى السيد المسيح لتقديم شهادات أخرى عن نفسه فلقد أعلنها مئات المرات ومعجزاته يشهد عنها الجميع وأعماله وكلماته كانت جميعا بسلطان إلهي.

ترى ما الذي سنواجهه في الساعة الأخيرة عندما نواجه جميعا بالحقيقة الساطعة أن الديّان هو المخلّص يسوع المسيح الذي لم نؤمن به على الرغم من إعلانات رسالته بطرق عديدة ولن يمكننا حينذاك ان نختبئ او نتوارى او نتحجج بعدم المعرفة وكما رنّم المرّنم: “أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ”(مزمور7:139-10).

                   

الأسبوع الرابع-الجمعة

نحو أورشليم

ها ان ساعة يسوع قد اقتربت وهو ذاهب بإرادته الي أورشليم حيث يعلم

أنه سيموت وأعلن ذلك لتلاميذه. وبولس الرسول قال أيضا لأهل أفسس انه ذاهب الى أورشليم ولا يعلم ماذا سيكون “وَالآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدًا بِالرُّوحِ، لاَ أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ”(أعمال22:20) وهذا يختلف تماما عما أعلنه يسوع انه عالما بما سيكون:” وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذًا عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»”(متى17:20-19).  بولس أعلن جهله وكل ما يعلمه هو ان الروح القدس هو الذي يقوده:” غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقًا وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي”(اعمال23:20)، معلومات غير كاملة، بينما قام يسوع بإعطاء  شرح بكل شيئ لرسله. وعلى الرغم ان يسوع شرح لتلاميذه الأمر بوضوح الا ان الكتاب المقدس يذكر:” وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ”(لوقا34:18). ان القديس لوقا حرص ان يوضح ان الرسل لم يفهموا ولكن كان غرض كاتب الأنجيل ان نتعرف ونفهم مدى صعوبة الأمر عليهم ليفهموا سر الصليب. والقديس لوقا ذكر أيضا في موضع آخر:” وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا هذَا الْقَوْلَ، وَكَانَ مُخْفىً عَنْهُمْ لِكَيْ لاَ يَفْهَمُوهُ، وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ هذَا الْقَوْلِ”(لوقا45:9). لم يفهموا لأنهم لا يريدون أن يفهموا، لقد رأوا بوضوح انهم يتبعون معلمهم ولا يريدون أن يرضوا عن تلك المعاناة والآلام التي ستقابله وخوفهم مما قد يتعرضون هم أنفسهم لذلك، ولهذا السبب قال يسوع:” ضَعُوا أَنْتُمْ هذَا الْكَلاَمَ فِي آذَانِكُمْ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ»(لوقا44:9).

لقد حرص يسوع أن يعلن لرسله وتلاميذه هذا الأمر بعد قيامه بالمعجزات والكل قد أظهر إعجابه وكانت قلوبهم مغلقة نحو معرفة أي شيئ آخر سوى مجد معلمهم لا صليب ولا آلام.

وذكر أيضا في الانجيل بحسب القديس مرقس:” وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ. فَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ عَمَّا سَيَحْدُثُ لَهُ: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ، فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»(مرقس32:10-34). سبب حيرتهم انهم عرفوا ان الكتبة والفريسيين كانوا يتطلعون لموت يسوع وكان يصعب على الرسل إقناعه بالعدول عن قراره، وفي نفس الوقت لا يريدون أن يسمحوا له بتسليم نفسه لهم والوقوع بين آيدي من يطلبون قتله. هذا في الحقيقة ما نقوم به نحن وهو الخوف من أن نتبع يسوع ولا أن نموت مثله. ويذكر القديس لوقا ان يسوع قد توجّه الي أورشليم على الرغم من إعتراض وإندهاش رسله:” وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ(لوقا51:9). فلنتبع إذا مثال يسوع ونوجه أنظارنا نحو أورشليم السماوية وما يتطلبه هذا من ندامة وتوبة وصليب.

في تلك المناسبة قال له الرسل:” قَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ: «يَا مُعَلِّمُ، الآنَ كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَرْجُمُوكَ، وَتَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى هُنَاكَ»(يوحنا8:11) محاولين إقناعه بعدم الذهاب لتلك الرحلة، وحينئذ قال توما الرسول:” فَقَالَ تُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ لِلتَّلاَمِيذِ رُفَقَائِهِ: «لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ

نَمُوتَ مَعَهُ!»(يوحنا16:11).

علينا أن نفهم إذن ان ذهابنا نحو أورشليم مع يسوع هو أن نتحمل الصليب معه ، ويالسعادتنا ان يكون يسوع معنا في رحلتنا حاملا معنا صليب الحياة ولنفرح ونتمجد معه في اورشليم السماوية لأبد الأبدين.

 

 

الأسبوع الرابع-السبت

لا يوجد إنسان قط تكلم مثل هذا

بالرغم من اننا بعيدين عن الرؤية الحقيقية لكي نرى الأب في الإبن، والإبن في الأب، فجاء ابن الله الينا على الأرض ليعلمنا ان الأب اظهر ذاته في الإبن بطريقتان عجيبتان، بكلماته وبأعمال عظمته في معجزاته”أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ”(يوحنا10:14). ان كلمات السيد المسيح بها شيئا الهيا في بساطتها وعمقها وسلطانها:” أَجَابَ الْخُدَّامُ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!»(يوحنا46:7). لا يوجد انسان قط تمتع بمثل ذلك السلطان الطبيعي والذي تدخل كلماته للقلب والعقل وبدون مجهود وبدون تكلفة بطريقة سامية تعطيه السلطة والقوة علينا حيث تدخل القلب في سلاسة وعمق مباشر. ان العجيب في تلك الكلمات انها تخرج من رجل يتكلم كإله، وفي نفس الوقت كإنسان استلم الرسالة من آخر:” لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ، فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ»(يوحنا49:12-50). وكما كان يقول دائما:” «تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي” و “مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ”(يوحنا 16:7 و18). ان هناك دائما فرق كبير ما بين من يأتي من الله وما يقوله او يعمله، وبين من يأتي من الله وهو ابن وحيد وكما نعلن في قانون الإيمان: ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. وهذا ما اعلنه لبقديس يوحنا اللاهوتي:” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” و “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا”(يوحنا1:1 و14).

 

الأسبوع الخامس- الأحد

إقامة لعازر

ها هو يسوع بالقرب من اورشليم في بيت عنيا وهي قرية عند بطن جبل الزيتون، وها هو موته قريب، فماذا فعل لكي يعدنا لمعجزة صلبه وقيامته؟ أقام لعازر الحبيب من الموت!

يذهب يسوع الي اورشليم ليموت ولطالما نرى الموت محاط به فها هو

حبيب يموت وهو سيذهب أيضا للموت، ولكنه صنع معجزة عظيمة بإقامة لعازر لكي يُظهر انه سيد على الموت. وهنا يوجد كل رعب الموت فلعازر مات وملفوف وقُبر وتحلل بالفعل وانتن. لقد خاف الجمع حتى ان يحركوا الحجر الموضوع امام القبر، بالإضافة كيف كان الطريق الى القبر والأرض الغير ممهدة وهو مكان موحش ومقفر وغير اهل للسكنى.

وها هنا منظر آخر يصيب المرء بقشعريرة فيسوع يذهب للقبر ليراه ويبكي. ان موت صديقه لعازر تحقيق لعقوبة كل البشر، فنظر يسوع الي الخليقة البشرية والتي خلقت خالدة ولكن صدر عليها الحكم بالموت بخطيئة العصيان والسقوط.

ان يسوع هو صديق لكل إنسان ولقد جاء ليعيدنا اليه وها هو يقترب من تقديم ذبيحته الكفارية من اجل خلاصنا، فسكب الدموع لمأساتنا واقشعر لمنظر العقوبة والذي بعد أيام سيقابله هو لأجلنا. انها الخطيئة وليس الموت هو الذي جعل يسوع “انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ”(33:11) و”بكي يسوع”(35:11).

مكان موحش وهناك رجل ميت موضوع في قبر وله أربعة أيام فماذا

يمكن ان يُصنع؟ لهذا قال البعض:” وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ: «أَلَمْ يَقْدِرْ هذَا

الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هذَا أَيْضًا لاَ يَمُوتُ؟»(يوحنا37:11). لم يتسألوا اذا ما كان يمكن ليسوع ان يقيمه من الموت لأنهم لم يتصوروا انه محتمل. فكروا في انفسهم ان كل ما كان يمكنه ان يفعل هو حضوره في تلك المأساة حيث يقدم تعزياته ودموعه وحزنه.

يقول سفر الحكمة”فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ الإِنْسَانَ خَالِداً، وَصَنَعَهُ عَلَى صُورَةِ ذَاتِهِ، لكِنْ بِحَسَدِ إِبْلِيسَ دَخَلَ الْمَوْتُ إِلَى الْعَالَمِ، فَيَذُوقُهُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ حِزْبِهِ”(حكمة23:2-25).  كل البشر ذائقا للموت ولا يوجد شيئ يمكن عمله او مصير اخر او مخرج او نجاة من مصير الانسان بعد السقوط سوى الموت.

قال يسوع:” «هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ»(يوحنا4:11) وذلك لكي يرينا مجده، ثم أضاف بعد ذلك:” لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ»(يوحا11:11) وسمّى موت لعازر “بالرقاد” وذلك ليظهر لنا انه من السهل عليه ان يقيم الميت كما ان يوقظ النائم.

ثم جاء يسوع الى الموضع وقابلته مرتا قائلة:” يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي! لكِنِّي الآنَ أَيْضًا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللهِ يُعْطِيكَ اللهُ إِيَّاهُ»(يوحنا21:11-22) وكأنها تقول انت يا يسوع قوي وليس فقط لمنع الموت ولكن يمكنك ان تطلب من الله ان يقيمه. وقال لها يسوع:”سيقوم اخوك” فأجابته مرتا:” أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ»(يوحنا23:11-24). قد يكون هنا ان مرتا ربما لم تشك في قدرة يسوع على إقامة لعازر من الموت في اليوم الأخير ولكنها لم تفكر انها جديرة لتلك النعمة فلم تسأل يسوع.  وهنا قال يسوع:” «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا،
26 وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟»(يوحنا25:11-26).

الموت بالنسبة الى لعازر سيكون كرحلة ولن يبقى هناك وسيقوم. ان ايمان مارتا عظيم فلقد رأت القيامة العامة واعترفت بأن يسوع المسيح هو من في السماء وهو قائم في عرش الله وهو الذي يدين ولقد جاء الى العالم، وهو يسوع ابن الله الحي والذي يحيا نفس حياة الأب “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ”(يوحنا26:5). ولهذا قال يسوع لمارتا ولنا: “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”(يوحنا25:11) وأيضا:”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ(يوحنا21:5)، لأن يسوع هو مصدر الحياة والحياة أتت لنا”فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا”(1يوحنا2:1). وأمام القبر قال يسوع:” «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي». وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!»(يوحنا41:11-43). اننا هنا امام شفاعة تتكلم وتعمل”لعازر هلم خارجا”.

لقد اقام الأنبياء بعض الموتى ولكن لا أحد منهم تعامل مع الموت بتلك الطريقة العجائبية “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ”(يوحنا25:5)، ولهذا فما تم امام قبر لعازر وسمع صوت الإبن وقام لعازر وحده ولكن سيتم ذلك في اليوم الأخير لكل البشر.

انه من المهم ان نتأمل في تلك الكلمات والأفعال لكي نتقوى امام الخوف من الموت والذي هو موجود في اعماقنا الداخلية مما قد يقودنا ان نفقد عقولنا من ذلك الموت المخيف. يجب ان نسلح انفسنا ضد ذاك الخوف وذلك بالتأمل في كل الوعود التي جاءت في الكتاب المقدس ونتمسك بالإيمان الحي في الحقيقة الأزلية ان يسوع قد قهر الموت. لقد فعل هذا في حالة الصبية الصغيرة وابن الأرملة وفي شخص لعازر وفي تلك الحالات الثلاثة حيث أعاد الحياة ولكنهم ماتوا بعد ذلك ولم يتبقى ليسوع لكي يفعله لقهر الموت بنفسه فهو وحده القادر ان يقهر الموت للأبد فهو مات وقام ولن يموت مرة ثانية ولن يرى فسادا كما يرنم المزمور:” لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا”(مزمور10:16).

ان ما تم لرأس الكنيسة المتجسدة يسوع المسيح سوف يتحقق لنا نحن أعضاء جسده:” وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ”(كولوسي18:1)، وأيضا

“فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ”(1كورنثوس21:15-22) وأيضا” لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ”(_1تسالونيكي14:4-17).

الأسبوع الخامس-الأثنين

لا تُدين

«لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!”(متى1:7-5).

لا تدين لأنه يوجد قاض فوقنا والذي يحكم في كل الأحكام والتي قد صدرت منك ويُعد كشف حساب لها وهو الذي سيعاقبك عن احكامك والتي هي في جملتها بلا سلطان وبدون فهم او حكمة.

اما بدون سلطان فلقد كتب:” مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ”(رومية4:14) وهو يتبع الله الخالق:” وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ”(رمية10:14). فيا من تدين غيرك، انتما ستقفان معا امام الديّان العادل لتؤديا الحساب فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا للهِ”(رمية12:14). فلا تفكر ماذا يفعل الأخرون ولكن بدلا من ذلك التفكير فكّر في حساباتك انت وقدمها للرب. والقديس يعقوب يقول لنا:” لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ. الَّذِي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ النَّامُوسَ وَيَدِينُ النَّامُوسَ. وَإِنْ كُنْتَ تَدِينُ النَّامُوسَ، فَلَسْتَ عَامِلاً بِالنَّامُوسِ، بَلْ دَيَّانًا لَهُ. وَاحِدٌ هُوَ وَاضِعُ النَّامُوسِ، الْقَادِرُ أَنْ يُخَلِّصَ وَيُهْلِكَ. فَمَنْ أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ غَيْرَكَ؟”(يعقوب11:4-12). ويمكنك الآن ان تدرك فقدانك للسلطة الحقيقية لتحكم.

والآن الحكم بدون فهم فأنت لا تعرف من تحكم عليه او تدينه ولا يمكنك ان تنظر الى أعماق نفسه الداخلية ولا تعلم نواياه والتي ربما قد تعضد موقفه وتبرئه. واذا ما اقترف خطيئة ما فأنت لا تعرف اذا ما كان قد ندم عليها على الفور بعد ارتكابها او سوف يندم عليها في يوم من الأيام او هو واحد من هؤلاء الذين تفرح السماء بعودتهم.

الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ”(1كورنثوس4:14-7). فاحذر اذن في ادانة غيرك “لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا! وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ. أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟ أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟”(رومية1:2-4). فأنت قد تدين نفسك ومن فمك تدان:” لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ”(متى2:7).

 

الأسبوع الخامس-الثلاثاء

الفريسيين

وكما جاء فان الفريسيون كانوا احدى فئات اليهود الرئيسية مع الصدوقيون، واشتهر معظمهم بالرياء والتفاخر فتعرضوا عن استحقاق للانتقاد اللاذع والتوبيخ القاسي.  فيوحنا المعمدان دعاهم والصدوقيين “أولاد الأفاعي” كما وبخهم السيد المسيح بشدة على ريائهم وادعائهم البرّ كذبًا وتحميلهم الناس أثقال دون الاكتراث لجوهر الناموس (متى 5: 20 و16: 6 و11-12 و23: 1ـ- 39).  وكان لهم يد بارزة في المؤامرة

على حياة المسيح (مرقس 3: 6 ويوحنا 11: 47ـ 57).

ان مُلك المخلّص يتمجد ويتعظم على الرغم ممن توقعه اليهود ولقد اظهر لهم يسوع انه من السهل عليه ان يعرفوه كملك آخر، ولكنه آثر عدم البحث عن المجد الذاتي، ومع هذا زادت غيرة الفريسيين ورؤساء الكهنة:”فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!»(يوحنا19:11). لقد أعمت الغيرة عيونهم وقلوبهم فطلبوا من المعلّم ان يُسكت من كانوا يهتفون:” فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!»(لوقا39:19)، “فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ الْعَجَائِبَ الَّتِي صَنَعَ، وَالأَوْلاَدَ يَصْرَخُونَ فِي الْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!»، غَضِبُوا وَقَالُوا لَهُ: «أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هؤُلاَءِ؟»(متى15:21-16)، ولذا اجابهم:”«نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟»(متى16:21) وأضاف قائلا: “«أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!»(لوقا40:19) وكما قال لهم من قبل يوحنا المعمدان:” وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ”(متى9:3). فلنتأمل كيف ان الغيرة والحسد وهم من احد الجروحات الشريرة للنفس البشرية ما بعد السقوطن فبينما الشعب يهتف للمخلّص رافعين أصواتهم بالتسابيح، لم يخفوا أعداؤه حقدهم وغيرتهم والتي تظهر فقط من كلامهم ووضعوا خطة لقتله. الحسد هو شر لذا ينصحنا بطرس الرسول قائلا:” فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ”(1بطرس1:2).

فيا يسوع أيها الحق وحده يا قدوس القديسين اجعلنا نحطم الحسد والذي يسكن في اعماقنا مما يتسبب في تسميم حياتنا الروحية.

 

الأسبوع الخامس-الأربعاء

الكتبـة

هم كتبة الناموس ولأجزاء الأخرى من العهد القديم، وأشهرهم عزرا الكاتب الذي كان ملمًا بالشريعة الموسوية كل الالمام. أما الكتبة المتأخرين الذين كان عملهم هو تفسير الناموس، وقد دعاهم العهد الجديد “ناموسيين” و”معلمي الشريعة”. وكان شرحهم، كما معروف عنه مدنيًا ودينيًا، كانوا يحاولون تطبيقه على تفاصيل الحياة اليومية. وقد أصبحت قرارات عظماء الكتبة شريعة شفاهية تدعى التقاليد. وقد كثر عدد الكتَّاب في عهد المكابيين، وبلغوا أوج نفوذهم على الشعب في أيام المسيح. وكان بين أعضاء السنهدريم (مجمع اليهود) الكثيرون منهم (متى 16: 21 و26: 3). ومن وجد بينهم من آمنوا بتعاليم المسيح، إلاَّ أن أكثرهم قاموا ضده وتذمروا عليه وظنوا أنهم وجدوا أخطاء في أكثر ما عمله أو قاله هو وتلاميذه (متى 21: 15). وعلى الكتبة يقع جزء كبير من مسؤولية صلب المسيح. وقد اشتركوا مع الحكام والشيوخ في اضطهاد بطرس ويوحنا أيضًا (اعمال 4: 5). وكذلك في ما قاد في استشهاد استفانوس (اعمال 23: 9). وقد وصف السيد المسيح بعض الكتبة بأنهم مراؤون لأنهم عنوا بالأشياء المادية العرضية دون الروحية الجوهرية (متى 23).

بينما كان يسوع يعظ في الهيكل، جاءه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ وسألوه “وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟»(لوقا1:20-2)، ولكن فيما هم يسألون بأي سلطان يقوم بالتعليم الا ان السؤال امتد الي كل شيئ قد قاله او فعله يسوع. بأي سلطان تفعل هذا؟ وبأي سلطان تدخل منفردا للهيكل؟، وبأي سلطان تعلّم؟، وبأي اسم او قوة تقلب موائد الصيارفة؟

كانهم يقولون له: نحن فقط يمكننا ان نعطيك مثل هذا السلطان ولكننا لم نمنحك إياه!. كانت تلك هي الأسئلة التي أراد الكتبة سؤال يسوع عنها:” فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا»(لوقا8:20).

وبدلاً من ان يجاوبهم يسوع بادرهم بسؤال آخر ليظهر مدى عمى سفسطة تفكيرهم، فانه كان من السهل فهم بأي سلطان كان يفعل كل ما فعله يسوع وليسألوا المرأة السامرية والمرأة الخاطئة وارواح الشياطين التي خرجت تعلن من هو والمولود اعمى وغيرهم وكلهم تكلموا بوضوح عن المسيّا. لقد اعلن للسامرية بوضوح علني “قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ»(يوحنا26:4). والمولود اعمى وجه له يسوع السؤال:” فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ”(يوحنا35:9-38).

وفي موضع آخر جاء” وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟» (متى23:21)، وكان في كل مرة يجيب بإجابة واضحة ومباشرة عن ما هو السلطان بأمثلة وأفعال عملية فلقد أجابهم في معجزة شفاء المفلوج(متى2:9-8) و المولود أعمى (يوحنا 2:9-34)، ولكنهم لا يبحثون في الحقيقة عن السلطان لأنهم كما قال يسوع:” فَقَالَ يَسُوعُ: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ». فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ”(يوحنا39:9-41). إذا ما سمعنا عن ذلك الإلحاح من الشيوخ والكتبة والفريسيين لمعرفة سلطان الشفاء وإقامة الموتى لا للبحث عن الحقيقة فهم لن يصدقوا ما يروون ولهذا يبادرون بالسؤال تلو السؤال حتى في محاكمته:” فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟»(متى63:26). ويسوع أجابهم من قبل وفي عدة مواضع قائلا:”«أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا»(يوحنا20:19-21).

والآن هل نحن نشابههم في الأسئلة عن من هو يسوع وحقيقته وتعاليمه وذلك حتى نؤمن به في الحقيقة ام لمجرد إيجاد ذريعة او سبب للإبتعاد عنه وعدم الإيمان به؟

ان الكتبة والشيوخ ورؤساء الكهنة كانت لديهم الشهادة القوية: كلماته ومعجزاته وتعاليمه وقيامته ومع هذا لم يؤمنوا، ونحن الذين عرفنا ولمسنا وعشنا معه هل مازال الشك ينتابنا.

                     

الأسبوع الخامس-الخميس

محاكمة يسوع

ان افتراء الكتبة والفريسيين يقودنا الى

التحقق من عدم عدالة الإنسان، فلقد أعجبوا بيسوع وتحققوا من انهم لا يمكنهم ان يمسكوه بكلمة سواء عند محاكمته امام بيلاطس البنطي او أمام الشعب” فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا”(لوقا26:20). ولكنهم لم يكفوا او حتى يتحولوا عن محاولة قتله هذا مع الرغم انه في كل مرة كان يزداد اقتناعهم بضرورة قتله ومع كل مرة تقل فرص قدرتهم على معارضته وإيجاد سبب لقتله، فيزداد بهذا غضبهم وكراهيتهم له اكثر واكثر.

قد يتظاهرون بأنهم غيورين ومتحمسين لحرية شعب الله وضد الأمبراطورية الوثنية وليحرجوه طلبوا مشورة يسوع في دفع الضرائب للرومان من عدمه وهم نفس الفئة التي بعد ثلاثة أيام ترفع اصواتها بالصراخ امام بيلاطس قائلين:”«إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!»(يوحنا12:19). فأين يا ترى هي غيرتهم وحماسهم ضد احتلال الرومان؟ وحتى انهم جاءوا به الي بيلاطس وابتدأوا يشتكون قائلين:” يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ»(لوقا2:23).

ما الذي يوقف اذن مثل هذا الإفتراء والأكاذيب سوى ان يقال بوضوح وبصراحة انه قد فشل في عمل ما او لم يستطع عمل أي معجزة؟

نفس الفئة التي أظهرت غيرتها وحماسها ضد الرومان هي الآن التي تصرخ وتنادي وحتى انه جاء “أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: «لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!»(يوحنا15:19).

قيصر، إذن هو ملكهم اذا ما كان سيقتل اعداؤهم

قيصر، إذن هم ملكهم اذا سيحقق رغبتهم في الإنتقام

قيصر، إذن هو ملكهم اذا ما وافق مشيئتهم وأهواههم وشهواتهم

لقد نسوا ما قاله يسوع:” فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ»”(لوقا25:20)، فليس هناك درس آخر يمكن ان يعلمه لليهود سوى هذا التعليم- أن السيد المسيح هنا يقدم للإنسان مبدأ وطنيًا هامًا. فلكي يتمجد الله فيه يلزمه أن يقدم ما لقيصر لقيصر، يعطي للدولة حقها عليه، بل ويلتزم بإعطاء كل من يتعامل معهم حقوقهم المادية والمعنوية والاجتماعية. عبادتنا لله لا تكون علي حساب الآخرين، بل حبنا وخضوعنا وعطاؤنا للغير هو جزء لا يتجزأ من حياتنا الروحية، يتكامل مع عبادتنا لله. نعطي الآخرين، ليس خوفًا منهم، ولا مداهنة لهم، ولكن شهادة حق داخلي لأمانتنا وحبنا للرب نفسه.

لنعطِ أيضًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، بمعنى أننا نقدم للجسد ما له من التزام نحونا وما للروح للروح. فحياتنا الروحية ليست تحطيمًا لجسدنا (قيصر) وإنما هي تقديس له. ولكن قلوب اليهود ذهبت وراء “قيصر” الإله.

ان يسوع الذي هو كلي الحق والنعمة أراد قبل ان يترك هذا العالم ان يعلم الجميع ما الذي يجب اتباعه ومحذرا اليهود من خطورة التمرد والذي سيحطم دولتهم فيما بعد. يسوع يعلم ان اتباعه سوف يقتلهم هذا القيصر ويُعتقلون وهو الذي سيحكم عليهايضا بعد عدة أيام ولهذا فهو كان يعلم بكل هذا وتنبأ به من قبل:” يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي”(لوقا12:21) وأيضا” وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ”(متى18:10).

فيسوع المسيح تحمل الآلام والأوجاع والإفتراءات والأكاذيب

والإضطهادات والتي سيتحملها اتباعه فيما بعد. فدعونا لا نشتكي اذا ما فكرنا اننا نتعرض للظلم  ولنتبع مثال يسوع مخلصنا ونحفظ ما علّمه لنا نحن ىالمؤمنين في اسمه وكيفية ان نستسلم للتجارب والضيقات طالبين معونة الرب والتعزية والصبر وحمل الصليب معه وما ينبغي عمله اذا ما تعرضنا لمثل ذلك ولننظر للمصلوب طالبين معونته. وقال القديس بولس الرسول:”إن كان الله معنا ، فمن علينا ” ( رومية 8 : 31 )؟، وقد شاهد وشهد داود ، لمعونة الرب وقال: ” الرب حصن حياتى ممن أرتعب ؟! إن نزل علىّ جيش، لا يخاف قلبى، إن قامت علىّ حرب، ففى ذلك أنا مُطمئن…. ” ( مزمور 27 : 1 – 10 ).

.   

الأسبوع الخامس-الجمعة

المسيّا الحقيقي

أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ، وَهؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي”(يوحنا25:17) و “لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ، وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِينًا أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ، وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي”(يوحنا8:17)

انهم سعداء من كان ايمانهم معترف به من يسوع فلنفحص اذن انفسنا بالنظر الى قلوبنا ولننصت لما كتبه القديس بولس: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟(2كورنثوس5:13)

“جرب نفسك”، “امتحن نفسك”، “اسأل نفسك” فهل تؤمن حقا ان يسوع المسيح أُرسل من الله؟ ما السبب الذي يجعلك الى عدم الإيمان؟ هل لم ترى فيه كل العلامات والتي اعلنها الأنبياء والآباء من قبل عن المخلّص الموعود والمسيّا المنتظر؟ ألم يقم بكل المعجزات والآيات والتي يجب عليه ان يتممها والضرورية للشهادة عنه من انه هذا المسيّا الحقيقي والمُرسل من الله؟

هل يوجد احد علّم عقيدة مقدسة وطاهرة وكان قادرا ان يقول قول يسوع:”انا هو النور الأتي الي العالم”أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ»(يوحنا12:8)؟

هل اعلن احد قائلا: تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ»(متى28:11-30).

فلنتمسك بما علمنا إياه الرب يسوع، لهذا قال لنا بولس الرسول:” أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ”(1تسالونيكي5:1).

آمن إذن بيسوع المسيح:

+ إنه يُدعى “الباب” (يوحنا 1: 7، 9). لا تأخذ المعنى الحرفي للكلمة كمادة خشبية، بل المعنى الروحي. إنه “باب حيّ” يميز الداخلين فيه.

يُدعى “الطريق” (يوحنا 14: 6) لا أن يُداس بالأقدام، بل يقودنا للآب السماوي.

+يُدعى “الحمل” (يوحنا 1: 29؛ إشعيا 53: 7، 8؛ أعمال 8: 32) لا كغير عاقلٍ، بل لأن بدمه الثمين يطهر العالم من خطاياه، ويقف صامتًا أمام جازيه.

+ هذا الحمل دُعي مرة بـ”الراعي” إذ يقول: “أنا هو الراعي الصالح” (لوقا 10: 11).

+إنه يُدعى “أسدًا” (تكوين 49: 9؛ رؤيا 5: 5)، لأنه يقف قبالة الأسد المقاوم الذي يزأر ملتمسًا أن يفترس من يخدعهم (1 بطرس 5: 8) و بكونه “الأسد الخارج من سبط يهوذا” (مزمور 118: 22) يخلص المؤمنين ويطأ على المقاوم.

+يُدعى “حجرًا”، ليس بلا حياة، مقطوع بيدٍ بشرية، بل “حجر الزاوية الرئيسي” (إشعيا 28: 16)، من يؤمن به لن يخزى.

لهذا يقول يوحنا الرسول: “من هو الكذاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح” (1 يوحنا 2: 22).

اذا ما قلنا اننا نعرفه فلنتذكر قول يوحنا الرسول:”وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ.مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا”(1يوحنا3:2-6) وأيضا:” يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!(1يوحنا18:3).

ولم يتبقى لنا من كل هذا إلا ان نعترف بخطايانا وليس عن ضعف او خوف “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ”(1يوحنا9:1).

 

 

 

 

الأسبوع الخامس-السبت

علامـة للمقاومـة

تنبأ سمعان الشيخ وقال للقديسة مريم العذراء وهو يحمل الطفل الإلهي:” هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ»(لوقا34:2-35).

في تلك اللحظة لم يتوقع احد ما الذي ستكون علامة المقاومة هذه ولا نتعجب اذا ما علمنا ان العديد من اليهود قد آمنوا في الحقيقة بعد إقامة لعازر من الموت، فالمعجزة نظرها وشهودها كثيرون في اورشليم والكورة المجاورة “فَكَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَرْيَمَ، وَنَظَرُوا مَا فَعَلَ يَسُوعُ، آمَنُوا بِهِ”(يوحنا45:11). ولكن قوم آخرون والذين يعرفون ان رؤساء الكهنة والفريسيين يكرهون يسوع ذهبوا ليخبروهم عن تلك المعجزة التي رآوه ولهذا فور سماع النبأ اجتمع المجمع في الحال وقالوا شيئا غريبا:”مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً”(يوحنا47:11). لقد اعترفوا بتلك الحقيقة “هذا الرجل يصنع آيات”. والرد المتوقع يظهر في الحقيقة إما في الإيمان به ولكن الطمع والغيرة الفاسدة و النفاق والطموح والغرور قد اسقطهم واعماهم وهذا ما كشفه لهم يسوع على الرغم من محاولتهم تغطيته تحت حجج واعذار لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا، لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا: «قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ»(يوحنا39:12) وكان عليهم ان يقاوموا الله عن التسليم والتنازل عن مجدهم وقوتهم وفعلوا هذا حتى فيما بعد أيام الرسل قالوا:” قَائِلِينَ: «مَاذَا نَفْعَلُ بِهذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ لأَنَّهُ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ أَنَّ آيَةً مَعْلُومَةً قَدْ جَرَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَلاَ نَقْدِرُ أَنْ نُنْكِرَ”(اعمال16:4). والرد المنطقي والطبيعي هو يجب ان نؤمن امام الآيات ولكن العائق كبير فقالوا في انفسهم: إذا أمنا نفقد وضعنا ومركزنا الديني.

وفي عالم التشكيك الذي نحيا فيه سيدور سؤال كيف ان العالم لا يؤمن به على الرغم من قياام الرب يسوع بالعديد من المعجزات العظيمة؟ لم يفهموا لأن القلوب ملتصقة بالعالم والشهوات وتعظم المعيشة. أن كل تلك الإرتباطات الملتصقة لمشاعر البشر يُعجز ويمنع الخلاص. هذه الإرتباطات الأرضية العالمية تسبب الضعف وتبعدنا من ان نعترف بيسوع مخلصاً لنا، فالخوف من تبعات الإيمان به هي التي تعيق الإنسان من التعمق في المحبة والإيمان بالله وبإبنه الوحيد يسوع المسيح. انه لتغيير ما في قلوبنا فالأمر يحتاج لمعجزة داخلية وخارجية معاً، وهذا ما تحققه لنا النعمة فانه ينبغي ان لا يوجد شيئ أكثر من إكتشاف عن تلك “العلامة للمقاومة”.

العلامة التي تقاوم، هي علامة الصليب. فالله أرسل ابنه لخلاص العالم (يوحنا16:3) خلال علامة الصليب، لكن ليس الكل يقبل هذه العلامة ويتجاوب مع محبة الله الفائقة، بل يقاوم البعض الصليب ويتعثرون فيه. إن سقوط وقيام الكثيرين يشير إلى سقوط ما هو شر فينا وفي حياتنا لقيام ملكوت الله فينا، فعمل السيد المسيح أن يهدم الإنسان القديم ليقيم الإنسان الجديد.

ان عمى اليهود في القديم لا يفترق كثيرا عن هؤلاء الغير مؤمنين الآن في عالمنا هذا، فالكثيرون يفضلون الظلمة على النور والضلال عن الحق، ونحن من ضمن هؤلاء الذي يكون يسوع علامة للمقاومة. فنحن المؤمنين علينا أن نقاوم إرتياطنا بالأرضيات والعالم وأما لغير المؤمنين فمقاومة الإيمان بيسوع. فلنصلي إذن ان الرب ينير لنا الطريق فهو نور العالم وهو الطريق لنصل به ومعه للحياة الأبديـة والتي أتى هو من السماء ليهبها لكل من يؤمن به.

 

 

الأسبوع المقدس-أحد الشعانين

دخول الرب الي أورشليم

 

أن دخول الرب الي اورشليم كان من اكثر المواكب الملوكية في اورشليم فلا غرابة ان رجلا يبدو انه من طبقة بسيطة ومكانة ضعيفة يحصل على مثل هذا المجد والكرامة من الشعب في كلا من المدينة الكبيرة وهيكل سليمان العظيم. أنه شرف أكبر من أن يُعطى لملك وهذا هو العجيب. إنسان وُلد ليكون ملكاً ولكنه وُلد في مغارة حقيرة وعاش بين أسرة كادحة فقيرة ، ولكن الشعب رأوا حياته ومعجزاته وتعاليمه المقدسة ومحبته نحو البشر وللخطاة والمحتاجين فصاحت الجموع وتركوا كل شيئ ليتبعوه في دخوله الإنتصاري الي أورشليم.

دخوله كان اعظم من دخول الملوك، الناس يفرشون ثيابهم في الطريق، وآخرون قد مدوا بساطا من الاغصان الخضراء، البعض يتقدمون و البعض يتبعون، و في ايديهم سعف النخل، كما في موكب الظافرين، ولا نهاية لهتافاتهم المدوية “اوصنا لابن داود.

تأملوا في هذه الحفاوة التي احاطوا بها فردا يبدو عاديا مجردا من الالقاب و النياشين.  واستطاع زكريا بنوع خاص ان يصف المشهد عن كثب و كأنما كان شاهد عيان فهتف من قبل:” اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ”(زكريا9:9). لقد طرد هذا المشهد من اذهان الناس و التلاميذ كل بقايا الغموض الذي كان يحيط بذلك الداخل الى اورشليم، وخاصة بعد المعجزة الفريدة التي اجراها في بيت عنيا اذ اقام لعازر من الموت. لذلك لا يمكنهم ان يصمتوا او يكفوا عن هتافات التمجيد “اوصنا لابن داود”.

ويدخل الرب المدينة المقدسة، تحيط به الوف التهاليل مما جعل نبوة زكريا القديمة تكتمل بكل فصولها في هذا الموكب، و بكل هدوء  يتقبل الرب هذه الحفاوة، كأمر عادى بينما يوبخ الفريسيين قائلا “اقول لكم انه ان سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ”. و في هذا تأكيد واضح على ان الرب يسوع هو الانسان و هو الله، الذي سبق ان تكلم عنه الانبياء قبل ذلك و الذي وعد به في الكتب المقدسة.

جاء عن دخول السيد المسيح إلى أورشليم في كلا من الأناجيل الأربعة:

وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. َالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!». وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: «مَنْ هذَا؟» فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: «هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ

الْجَلِيلِ»(متى8:21-11).

” وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هذَا؟ فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا». فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا عَلَى الطَّرِيقِ، فَحَلاَّهُ. فَقَالَ لَهُمَا قَوْمٌ مِنَ الْقِيَامِ هُنَاكَ: «مَاذَا تَفْعَلاَنِ، تَحُلاَّنِ الْجَحْشَ؟» فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا. فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ.  وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!». فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ(مرقس1:11-10).

“وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، قَائِلِينَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!».وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!». فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!»(لوقا36:19-40).

“وَفِي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ،  فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي جَالِسًا عَلَى جَحْشٍ أَتَانٍ»(يوحنا12:12-15).

وكما قال القديس أغسطينوس:” أية محنة ذهنية عانى منها رؤساء اليهود وهم يسمعون جمهورًا عظيمًا كهذا يعلنون أن يسوع هو ملكهم!

لكن أية كرامة ينالها الرب ليكون ملكًا لإسرائيل؟. أي أمر عظيم لملك الأبدية أن يصير ملكًا للبشر؟. فإن ملوكية المسيح على إسرائيل ليس بقصد نوال جزية، ولا بتقديم سيوف في أيدي الجنود، ولا لهزيمة أعدائه في حرب علنية، لكنه هو ملك إسرائيل في ممارسته سلطانه الملوكي على طبيعتهم الداخلية، وفي تدبير اهتماماتهم الأبدية، وفي جلب الذين لهم الإيمان والرجاء والمحبة متركزة فيه إلى ملكوته السماوي. لهذا فإنه بالنسبة لابن الله، المساوي للآب، الكلمة الذي به كان كل شيء، وبمسرته صار ملكًا لإسرائيل، هو عمل فيه تنازل وليس فيه ارتفاع له. إنه سمة حنو، وليس تزايد في السلطة. فإن ذاك الذي كان يُدعى ملك إسرائيل على الأرض، يُدعى رب الملائكة في السماء”.

 

الأسبوع المقدس- الأثنين

الدهن والمسوح والناردين

ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ.فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ”(يوحنا1:12-3).

قبل الفصح بستة أيام وفي بيت عنيا وفي منزل لعازر جاء يسوع وقامت

مارتا لتخدم الجمع كعادتها بينما مريم حافظت على الشريعة اليهودية واخذت تدهن قدمي يسوع بالطِيب. ان لدهن يسوع بالطِيب عند قدميه تعني تسبيحه، ودهنه عند الرأس لتمجيده وتكريم ألوهيته لأن رأس المسيح كما يقول القديس بولس هو الله:” وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ”(1كورنثوس3:11). ولدهن قدميه تعني إكرام بشريته وضعفها، ولمسح قدميه بشعرها يعني انها تضع كل جمالها وغرورها تحت قدميه وهكذا فهي تضحي بكل شيئ من أجل يسوع. هو وحده من رغبت مريم في إسعاده فكيف يمكن لهذا الشعر الذي لمس قدمي يسوع ان يكون موضع للغرور مرة ثانية، وهذا ما يريده يسوع أن نحبه هو وحده فهو المستحق لمثل هذا الحب والتحية والتقدير والإجلال.

مريم تريد ان تفصح له عما تحمله ليسوع في قلبها من احترام و تقدير و ان تعبر عن عواطف ارتباطها المقدس به. ولكن كيف لها ذلك ؟! فالكلمات تبدو عاجزة تماما، كل ما تملكه كان قارورة طيب. و اذا بها تحضره معها، و هى لا تنوى ان تسكب منه فقط بضع قطرات. و لكن ان يكون كله عربون تكريسها العميق لملك المجد. وتأتى من ورائه و تكسر القارورة و تسكب ما فيها على رأس المخلص و على قدميه. “فامتلأ البيت من رائحة الطيب”

يجب ان نلاحظ ان الإسراف في سكب هذا الطِيب قد سبب للمنافقين الإضطراب وقدم ذريعة للإعتراض وعضد اتهام المرأة بالطيش ولقد فعل هذا يهوذا الأسخريوطي لكي يخفي غيرته من يسوع ومن الإكرام الذي قُدّم له بينما يظهر اهتمامه الزائف بالفقراء:” لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟» قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ”(يوحنا5:12-6). انها مفارقة غريبة مثل هذه، عندما وقفت محبة الذات مقابل الحب الدافئ المقدس، كما نراها في هذه الكلمات التى نطق بها “ماهذا الاتلاف؟ لماذا لم يبع هذا الطيب بـ 300 دينار و يعطى للفقراء؟”.

ان تلك المجموعة من الناس التي تقدم عطاياها وخدماتها للرب في غش ورياء، وقيل ان أكثر الناس شراً هم الذين أكثر حساسية ومراقبة لأخطاء الآخرين، إما بسبب اضطراب تفكيرهم وظنونهم السيئة أو غيرتهم الغاشة أو نفاقهم. ويهوذا الأسخريوطي كان لديه سبب آخر لأنه:” لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ”(يوحنا6:12)، فحاول ان يخفي طمعه في خوفه على الفقراء. ان كلمات الأسخريوطي ليست فقط هاجمت ما فعلته مريم بل يسوع أيضا نفسه فكيف يقبل ان يُدهن بمثل هذا الناردين الغلي الثمن.

على الرغم من ذلك لكن انظروا كيف يقدر الرب عمل مريم. فهو ينبري سريعا ليدافع عنها ضد يهوذا، وضد التأثير السئ الذى عكسته روحه  المعتمة على نفوس التلاميذ: ” فَقَالَ يَسُوعُ: «اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ»(يوحنا7:12-8).

انه هو الذى يضع المعايير لاعمال الناس يعتبر ان ما عملته مريم كان حسنا. “عملا حسنا عملت بي لأن الفقراء معكم في كل حين”.. كانت كلمات الرب كسهم نفذ الى قلب يهوذا. فكان يعني بها ان مريم لن تقصر في اظهار العطف عليهم. “. أراد  يسوع ان يلفت انظارهم انه ذاهب للموت وان ما قامت به مريم هي لتحنيط جسده وتكفيته وأراد أيضا ان يظهر لنا كيفية إكرام جسده الطاهر الذي تجسد من الروح القدس والذي سيهزم الموت ويحطم الخطيئة في جسده هذا التي تدهنه مريم بالطِيب. “قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!”(مرقس6:14). ان يسوع ينبغي أن يُخدم طالما هو مازال بيننا أما بعد رحيله عنا يمكنه أن يتعزى بخدمتنا للفقراء .”لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ”ِ.

ان كل ما يُقدم للفقير هو في الحقيقة تكريم لشخص يسوع “فكل ما فعلتم بهؤلاء فبي فعلتم”

فيا من لم تقبلوا المخلص بعد! ضعوا هذا في قلوبكم. ان يسوع لن يكون معكم بعد ان يكون الموت قد نشر اجنحته السوداء فوقكم، و بعد ان تكون حواسكم قد فارقتكم تحت وطأة المرض. انه لن يكون معكم بعد ان يكون الله القاضي العادل قد سلمكم في النهاية لافكار الضلال! لتجد لها مستقرا دائما في اذهانكم، لانكم قد قسيتم قلوبكم زمانا طويلا، امام نداءاته لكم بالتوبة.

ان هذا الطِيب الغالي الثمن والذي ينبغي ان نسكبه من كل قلوبنا هي محبتنا للآخرين وخدمتنا لهم بكل القلب والقوة والقدرة. فلنفتح قلوبنا نحو يسوع ولنقل مع بولس الرسول:” اننا بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً”(1كورنثوس30:1) ولنرنم له ترنيمة شعب الخلاص:” قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!»(رؤيا12:5).

 

الثلاثاء المقدس

الخيـانة

“لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!»(يوحنا21:13).

هذا الإضطراب للنفس والروح المقدسة ليسوع يلزم ان نوجه لها كل انتباهنا، وهنا سنلاحظ انها حدثت بسبب “ان واحد سيسلمه”، أي خيانة أحد رسله. أن سبب كل هذا الإضطراب ليسوع في واقع الأمر هي الخطيّةة، خاصة خطيئة من هم قريبين منه ومتحدين به مثل الأسخريوطي.

تكلّم إنجيل لوقا البشير عن هذا الأمر فقال: “وقرب عيد الفطير الذي يُقال له الفصح. وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه، لأنهم خافوا الشعب. فدخل الشيطان في يهوذا الذي يُدعى الإسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر. فمضى وتكلّم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلّمه إليهم. ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. فواعدهم. وكان يطلب فرصة ليسلّمه إليهم خلوًا من جمع” (لو22: 1-6).

وأثناء العشاء كشف عنه الرب بشكل غير مباشر لكل التلاميذ، وحذره التحذير الأخير بأنه، المسيح، سيسلم ويصلب سواء قام هو بتسليمه أم لا، فهذا هو ما حتمته المشورة الإلهية وما هو مكتوب في كتب الأنبياء، كما حذره من المصير الذي ينتظره في حالة قيامه بتسليم الرب وخيانته له: “وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم أن واحدًا منكم يسلمني. فحزنوا جدا وابتدأ كل واحد منهم يقول له هل أنا هو يا رب. فأجاب وقال. الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني. أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :22-24). ثم يقول الكتاب: “فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر ” (لو22 :3). ” فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطي أن يسلمه.. لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحدا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا. فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه (يوحنا2:13 :22-31).

لقد ذكر القديس يوحنا ثلاث احداث كتب فيها ان يسوع “اضطرب بالروح”، ففي تلك المرة التي كشف فيها خيانة يهوذا و قبلها عندما راى دموع مريم وهي تبكي اخوها لعازر وعندما جاءه اليونانيون ليروه بعد إقامة لعازر:”اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ”(يوحنا27:12) و “فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ”(يوحنا33:11).

اعتاد السيد المسيح أن يتحدث عن آلامه وموته دون أن يضطرب، لكنه إذ يشير إلى خيانة تلميذه قيل: “اضطرب بالروح“، فإن خطايا المؤمنين تحزن قلب السيد المسيح الأبوي. وكما تكلم الرب قديمًا وقال: “ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ” (إشعيا ١: ٢). كما قيل: “في ضيقهم تضايقت… لكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه” (إشعيا ٦٣: ٩، ١٠).

اضطرب يسوع “في الروح”، إي في روحه البشرية، إذ صار بالحق إنسانًا كاملًا، روحه تضطرب من أجل خيانة تلميذه له. ليس اضطراب الخوف من الموت أو عن جهل لما سيحدث، إنما اضطراب من أجل التلميذ الذي يتجاسر فيخون سيده وربه.

حقًا يعرف السيد المسيح أعماقنا أكثر من معرفتنا نحن لأنفسنا. كما يعرف الرب شر الأشرار كيهوذا، يعرف أيضًا ضعف القديسين كبطرس الرسول. لم يجعل السيد المسيح ما سيفعله يهوذا ظاهرًا، لأنه لو علم تلاميذه بذلك لعلهم كانوا قد عزلوه، ولعل بطرس كان قد قتله، فلهذا السبب لم يعرف السيد المسيح أحدًا من المتكئين ولا يوحنا الرسول عنه. ولم يشأ السيد المسيح أن يشّهر بيهوذا إلى اليوم الأخير من الأيام التي لبث فيها معه، وهذا ما يجب علينا أن نعمله، فلا نشهر بخطايا الموجودين معنا، ولو كان حالهم حال من قد خاب من الشفاء.

+ تأمل من وحي خيانة ألإسخريوطـي..

هـــا هــم يـأخـذون الجليـلي الـى الجلجثــة..هـــا هــم يــسوقــونــه للصلــب…

الـكـل يتدافـع..الكـل يصرخ..الكل يسير خلف الناصـري..

مـنهـم من يتبع مـؤمـنـاً..فـرحـاً..فهـذا هـو طريق الخلاص..

مـنـهـم مـن يتبع مُشككاً..مُضلاً..فكيف يُصلب إن كان حقا ابن الله..

مـنـهـم من يتبع مُستسلمـاً..غير مُدركـاً..فلمـاذا يموت من سار على اليـم..

مـنـهـم من يتبع مفتقراً..مـحزونـاً..فلقد تلرك الـمـعلم حافة البئر الحجري..وأروقة الهـيكل وأزقة كفر ناحوم..هجر العلية..وحظيرة الخراف.

ووسط هـذا الحشد سِرت أنـا أيضـاً..سِرت ورائه..فلقد دعاني يومـا مـا..دعـاني لأن أتبعـه..دعــانـي لأكون أحد رسله..ولأحمـل رسالته للأخرين. سـرت فـى الطريق مع هـذه الجـمـوع…

رأيتك يا سيدي تسقط..وجبنت أن أتقدم لأحمل صليبك..فكان هناك قيراونيا آخر.

رأيتك يا معلمي تبكي..وخفت أن أندفع لأجفف دمعك ..فجاءت إحدى بنات أورشليم ومسحت الوجه..سمعت الحشود تصرخ..لا هـذا بل برأبا..فصرخت معهـم وزِدتُ فلا ملك إلا القيصر..رئيس هـذا العالم…رأيتك يا سيدي مـسمـراً..وترددت فى أن أساعد أو أمنع ولكن كان الجند أسرع مني فوقفت متفرجاً..رأيتك يارب معلقاً..ورددت مثل الآخرين ..لو كنت إبن الله فخلص نفسك..آرني آية لكي أؤمن بك..آرني آية يا صانع الأعاجيب..أني أريد أكثر من زلزلة أو ظلمة أو شرخ فى

حجاب هيكل أو حتى موتى يقومون..

سمعتك تصرخ عطشاً..وفهمت انه عطش جسداني ولم أفهم انه عطش للأنفس فأعطيتك خلاً ممزوجاً بمـرارة مع قلب خائن فى جسد شهـوانـي..

سمـعتك تصرخ صرختك الـمـدوية “إلهـي..إلهـي..لـمـاذا تركتني” فقلت أن الله قد تركك هو أيضا..فلا سبيل للخلاص … وهـا أنا أتركك أيضا..

رأيت من طعنك بالحربة حتى بعد الـموت فأخرج أكثر من الماء والدم..ورأيت من إقترع على ثيابك والتى لم تكن أكثر من ثياب لنجار من الناصرة..

سمعت من يصرخ بإيمان بانك حقاً إبن الله ورأيت من عاد خائفاً..مرتعداً لا يبغي الإتباع بعد.

يــا مـعلـم، جئتك أنا الإسخريوطي تائباً حتى ولو لم تسطره الكتب المقدسة.

يـا معـلم، أيهـا الـمـختار الحبيب، رأيتك تموت مـُسلما ذاتك بطريقة عجيبة وغريبة ولم أفهم.

لــِم اخترت طريق الجلجثة هـذا؟..لــِم تركتنــي؟..

لـمـاذا عُلقت؟..لـمـاذا تألـمت؟..

لــِم مُت بهـذه الطريقة الـمُشينة؟؟..

يــا معلمـي الى أين انت ذاهب؟ .هـا أني أقف كما وقف بطرس فى القديم أسألك الى أين تمضي؟

هـا اني أسمعك تردد نفس القول لـي..

“لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع..إني ذاهب لأعد لكم مـكانا..لتكونوا حيث أنا أكون..لن أدعكم يتامى..فإني أرجع اليكم..انكم في وأنا فيكم..سلامي أعطيكم..انكم لستم من العالم إذ اني اخترتكم من بين العالم..حزنكم يجب أن يتحول الى فرح..ما من أحد يسلبكم هـذا الفرح..الأب نفسه يحبكم..بهذا أوصيكم ان يحب بعضكم بعضا كـمـا أنا أحببتكم..ليس لأحد حب أعظم من هـذا أن يبذل نفسه فى سبيل أحبائة”…

يـا آبت القدوس..هـل تسمع لقاتلك المجنون ومُسلمك وناكرك أن يحادثك؟؟؟

عجيب أنت فى حبك..ولكن ليس فى هذا عجباً ..لأنك انت هـو الحب.. وأردت أن تموت كما عشت محباً بغير شروط..

يـا آبت القدوس..يا معلم الحب..أرفع اليك صلاتي..حديثي..مأساتي..

إني لن أطلب منك آية..أو خبزا دائما كما كنت فى عهد العجل الذهبي، بل أن ترحمني أنا الخاطئ.

يا من أذقتني حلاوة القرب منك فى تلك السويعات التى عشتها معك

أريدك الآن أن تشعرني بلمسات يدك الـمعزية.عنايتك بي ستطيح بيأسي..همسك سينسيني الخوف..رحمتك ستجذبني..ونور قبرك الفارغ رجاء لا ينطفئ لي..ساعدني يا معلمي لكي أعود إليك بعد أن أسلمت نفسي لعدو الحب.

يا معلمي..ساعدني فأنا مسكين إذا ابتعدت عني وشقي وبائس لو فارقتني حمايتك..وتعيس لو فقدت حبك وحنانك. ها أنا سأتبعك وأموت شنقا لعلي ألتقي بك في الفردوس فإلى أن نلتقي يا من سرت به نفسي.

 

الأربعاء المقدس

غسل خطايانـا

في الجو الحار في الشرق يكون الإستحمام عادة متواترة في الصباح ومرة ثانية أثناء اليوم، ولا يتبقى في المساء سوى غسل الأرجل للتأكد من النظافة بعد السير في الطرقات وهذا هو المفهوم الذي رنمه العروس فس سفر الأناشيد:” قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟”(نشيد الانشاد3:5). ولقد استعمل يسوع تلك الصورة ليعلم أتباعه انهم بعد أن غسلوا خطاياهم الكبيرة فمازالوا يحتاجون لتنقية نفوسهم من الخطايا الصغيرة والهفوات والتي قد فعلوها في حياتهم اليومية العادية. ولهذا قَالَ ُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ”(يوحنا10:13)، فلا نتجاهل الهفوات والزلات. فلنغسل أنفسنا بعناية وليس فقط أيادينا ورؤوسنا بل أيضا اقدامنا قبل التقدم للأسرار المقدسة لذا قال يسوع:” إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». وهنا قال لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»(يوحنا8:13-9). فلنتيقظ اذن من كل شائبة تبعدنا عن الله وعلينا ان نعترف بها فنتنقى ونعود لحضن الأب السماوي بقلب نقي.

“يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا”(يوحنا3:13-5).ان عادة غسل الأرجل كانت عمل العبيد لسادتهم بعد رجوعهم للبيت لغسل أرجلهم من الأتربة العالقة بها. خلع ثيابه= خلع ثيابه الخارجية وهذا لا يفعله سوى العبيد (وغالباً فقد كانت هذه الثياب الخارجية فاخرة فقد ألقى الجند قرعة عليها) وهو قد تراءى لتلاميذه بهذه الصورة. وأخذ منشفة وإتزر بها= أيضاً فهذا عمل العبيد. ما صنعه المسيح هنا يشير لأنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، فهو خرج من عند الله= أي تجسد وصار في صورة عبد، ثم يمضي إلى الله= ليأخذنا فيه إلى الله. فالمسيح نزل لصورة العبد ليرفع الإنسان للكرامة والمجد، وهذا بأن يطهره (غسل الأرجل) ويوحده فيه (التناول). فغسل الأرجل هنا هو من صميم عمل الفداء أي التطهير والتقديس. والعجيب أن المسيح غسل رجلي يهوذا وهو عالم أنه سيسلمه.

ان التطهر وغسل الخطايا ضروري لنقترب من قدوس القديسين ونغسل قلوبنا ونفوسنا بدم الحمل وكما قيل:”وَفِي أَفْوَاهِهِمْ لَمْ يُوجَدْ غِشٌّ، لأَنَّهُمْ بِلاَ عَيْبٍ قُدَّامَ عَرْشِ اللهِ”(رؤيا5:14)، حتى يمكن بطهارة القلب ونقاوته نقف امام الرب مسبحين ومرنمين ومتحدين معه. آمين.

 

الخميس المقدس

سر الإفخارستيـا

وَقَرُبَ عِيدُ الْفَطِيرِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْفِصْحُ”(لوقا1:21)

يأخذ تذكار”الفصح”الذي يعني”العبور” مكانة هّامة في لاهوت الكتاب المقدس وفي تاريخ الشعب اليهودي والذي هو ذكرى خروج الشعب العبراني وتحريرهم من أرض العبودية من مصر. هذا ما نشهده في سفر الخروج،لأنه يتضمّن البشرى بأن الله سيخلّص شعبه ويحرّره ويقدّسه. إلاّ ان هذا العيد أخذ منحىً لاهوتياًّ خلاصيّاً مع الشعب اليهودي حيث أصبحوا يحتفلون به تذكاراً لما صنعه الله محرّرهم عندما أخرجهم من أرض مصر. لذلك بات الفصح يحتل مركزاً بارزاً في سفر الخروج حيث نجد وصفاً تفصيلياً للعيد كوليمة مقدّسة كانت تُقام في العائلة، وباستعمال الدم فيها كعلامة للحماية هذا ما كان يردّده سفر الخروج:” فيكون الدم لكم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم ولا تحلّ بكم ضربة مُهلكة إذا ضربت أرض مصر”(خروج13:12).

كانت الذبيحة تُقدّم عند المساء لدى اكتمال البدر في ليلة 14 ابريل في عشاء عائلي يلائم حياة العبرانيين في سيناء. كان بعد أن يتكئ الجميع يتناول ربّ العائلة الكأس قائلا:”مبارك أنت أيها الربّ إلهنا الملك الأزلي يا من خلق ثمر الكرمة” ثم يشرب منها ويعطي لكل فرد من أفراد عائلته لكي يشرب. ثمّ يفسر لهم ربّ العائلة معنى عيد الفصح قائلاً:” لقد أنقذنا الله من أيدي المصريين”. ويشرح لهم أيضاً معنى الفطير والحمل الفصحي:لماذا دم الحمل أنقذ العبرانيين. وكان العشاء يتألف من لحم مشوي وهو لحم الذبيحة المقدّمة ومن أعشاب مُرّة استذكاراً لألامهم في صحراء سيناء بعد خروجهم من أرض مصر، ثم الخبز الفطير وبدون خمير الذي يرمز إلى العَجَلةِ في الإرتحال من مصر حيث حمل العبرانييون معهم عجينهم قبل أن يختمر(خروج34:12-35).

هذه الأعياد الثلاثة:”الفصح- الفطير- وذكرى الخروج من مصر” أصبحت عيداً واحداً على ممّر الزمن بعد أن استقرّ الشعب اليهودي في أرض الميعاد. ان حلول هذا العيد كان يذكّر اليهود كل سنة بأن أباءهم نجوا في ذلك اليوم من ظلم فرعون. فمنذ ذلك الحين، أصبحت ذبيحة حمل الفصح إحياء لذكرى هذه النجاة وهذا الخروج حدثاً خلاصيّاً وإلهيّاً تتمحور حوله أسمى عقائد الشعب اليهودي الذي سُمي “بالشعب العبراني” إنطلاقاً من هذا الحدث التاريخي.

“وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلاً: «اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ». فَقَالاَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ؟». فَقَالَ لَهُمَا: «إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ، وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا». فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولاً مَعَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ». ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ». وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ”(لوقا7:22-20).

يشدّد لوقا الإنجيلي في هذا النصّ على هذا التذكار للفصح اليهودي حيث أخذ منحىً لاهوتيّاً جديداً عندما احتفل به يسوع مع تلاميذه يوم خميس الأسرار فأضحى المسيح الحمل المذبوح الذي سيوقّع على العهد الجديد بدمه على الصليب. في هذا العشاء أسّس يسوع سر القربان والكهنوت اللذين هما نبع أسرار الخلاص الخمسة الأخرى:المعمودية والميرون والتوبة ومسحة المرضى والزواج، تاركاً للكنيسة الوصية الجديدة:”إصنعوا هذا لذكري”.

ولنقرأ ما دونه متى الأنجيلي عن هذا الفصح الجديد:”وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا(متى26:26-28).

“ثمّ أخذ خبزاً، وشكر، وكسر وناولهم”، في العشاء الفصحي الجديد نرى

مبادرة يسوع في الإستعداد للوليمة الفصحية الجديدة. حين طلب من التلاميذ أن يعدّون له الفصح وهو العشاء الأخير الذي سيتحقق في المستقبل. في هذا العشاء يضحي يسوع المكمّل لكل الرموز والذبائح ومتمّم نبؤات الأنبياء والكتب المقدّسة. نلاحظ في هذا العشاء السرّي ان يسوع أتمّ عملين طقسيين معروفين عند الشعب اليهودي في ولائم أعيادهم:يأخذ المترأس الخبز ويرفع إلى الله صلاة بركة ويوزّع هذا الخبز لكل مدعو، وحين يأكلونه يعترفون كلهم بأنه عطيّة من الله. وهكذا يصنع بعد الطعام بكأس الخمر.

لقد أتمّ يسوع هذين العملين مع تلاميذه في العشاء السرّي كما كانت تجري العادة لدى الشعب اليهودي ولكنه أضفى عليهما معنىً جديداً خلاصياً، يتحقق بموته القريب على الصليب، حين قال:”هذا هو جسدي، هذا هو دمي، دم العهد الذي يُهرق من أجل جماعة كثيرة” كشف هنا انه يعرف معنى موته وعلّم تلاميذه هذا المعنى. ففي نظر يسوع ستنتهي هذه الرتبة لأنه سيقيم رتبة أخرى لتلاميذه رتبة العهد الجديد حيث يضحي هو الحمل المقرَّب والوسيط الوحيد بين الله والإنسان الذي سيقدّم ذاته ذبيحة كاملة ختمت هذا العهد بطريقة نهائية بين الله بين البشر. فالعشاء الأخير الذي صنعه يسوع مع تلاميذه ينبئ ويصوّر الوليمة التي ترمز إلى مجيئ ملكوت الله التي سيتحقق في الإفخارستيا التي هي صورة مسبقة لملكوت الله. فعلى التلاميذ حينئذ أن يكرّروا هذا العمل:”اصنعوا هذا لذكري”.

كان الفصح القديم ذكراً للذبيحة التي وجد فيها شعب إسرائيل الحريّة كما يردّد سفرالخروج، تُقيم وصية يسوع فصحاً جديداً يجب الإحتفال به تذكاراً لموته الخلاصي الذي سيحرّر شعب الله الجديد، ويوقع هذا العهد بدمه. ثم الكلام على الكأس ينبئ بالعهد الجديد الذي يقيم شعب الله الجديد كما ورد في كلام النبي إرميا:” ها إنها تأتي أيام يقول الربّ أقطعُ فيها مع بيت إسرائيل عهداً جديداً، لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أخذت بأيدهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم نقضوا عهدي مع أنّي كنت سيّدهم يقول الربّ”(إرميا31:31-32). هذا العهد سيتحقق بدم يسوع على الصليب، وهذا ما يضفي على موته طابع ذبيحة عهد مماثلة لذبيحة سيناء(خروج3:24-8).

لقد أعطى يسوع ذاته طريقة جديدة للإحتفال بعيد التحرير. يجعل جسده ودمه  من المسيح حمل الفصح، علامة للملكوت السماوي الذي يتحقق منذ الآن وإن لم يصل إلى ملئه وكماله إلاّ في الأزمنة الأخيرة.

لقد عاد القديس بولس إلى هذا الطقس كما كان يُحتفل به في بداية

الكنيسة الأولى قائلاً:” أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فلما كان هناك خبزٌ واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا نشترك كلّنا في هذا الخبزالواحد”(1كورنثوس16:10-17)، وأيضا ” لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ.اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ. إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ”(1كورنثوس23:11-30).

وهكذا ننتقل في هذا العشاء من عالم العهد القديم إلى عالم العهد الجديد:” ان هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يراق من أجلكم”. بالتلميح إلى ميثاق سيناء حيث رشّ موسى الدمّ على الحاضرين وعلى المذبح، وهنا ابتدأ الآن عهد جديد. لقد عقد هذا الميثاق لا بدم العجول المذبوحة:” بل في دمي الذي يهرق من أجلكم”. لقد أوصى يسوع تلاميذه:” إصعنوا هذا لذكري”. فكما كان العشاء الفصحي لليهود تذكاراً سنوياًّ وبقي حياًّ في ذاكرة شعب الله الجماعيّة، هكذا طلب يسوع من تلاميذه بأن يتكرّر هذا العشاء مع الخبز والخمر ليعيشوا هذا الحضور الدائم معه بواسطة جسده ودمه، جاعلاً منهم كهنة العهد الجديد. فأعطاهم خدمة ومسؤولية كهنوتيةً ألا وهي الإحتفال بوليمة الخبز والخمر.

يشكّل حدث الفصح، وهو تاريخنا الشخصي، جوهر العقيدة المسيحيّة الذي هو ليس حدثاًً تاريخيّا وحسب، بل عبوراً من العبودية إلى الحرية، من هيكيلة الخطيئة إلى حقيقة النعمة، جسدّه لاحقاً حمل الفصح يسوع المسيح في العهد الجديد. لذلك نشهد عبر صفحات الكتاب المقدّس ان هناك عبوراً دائماً حيث يلاحق الإستعباد والحنين إلى الماضي الإنسان أبداً. هذا ما فعله بنو إسرائيل بعد خروجهم من أرض مصر:” ليتنا مُتنا بيد الربّ في أرض مصر حيث كُنّا نجلس عند قدر اللحم ونأكل من الطعام شبعنا”(خروج3:16). لذلك فالتحرّر من عبودية الخطيئة الذي نحن دوماً مدعوون إليه اليوم من خلال الأسرار وخاصة الإفخارستيا هو

عمليّة متواصلة لا بدّ من القيام بها للتمكّن من عبادة الله بالروح والحق.

لذلك يردّد القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية:”إن المسيح قد حرّرنا فاثبتوا إذاً ولا تدعوا أحداً يعود بكم إلى نير العبودية”(غلاطية1:5). ففي سّر الإفخارستيا نعبر كما عبر الشعب العبراني البحر الأحمر من الإنسان القديم إلى الإنسان الجديد من عبودية الخطيئة إلى حرية أبناء الله حيث نموت ونحيا مع المسيح. ان هذا التحرّر لا يحدث إلاّ في الإفخارستيا حيث يحوّل الله وجودنا إلى قيمة أبدية، فنتحوّل كما يتحوّل الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه. ان هذا الجسد الذي يتحوّل إلى أجسادنا هو جسد يُكسر لأجل كثيرين، ولذلك عندما يتحوّل إلينا لا يمكن أن نمتلكه، بل هو يمتلكنا فتصبح حياتنا أيضاً ملكاً للكثيرين عندما يمتلكنا حب الله وغفرانه.

ان هذا الحب الذي نعيشه في الإفخارستيا والذي يقودنا إلى الغفران، يبقى دائماً أقوى حجّة في الإنسان المسيحي المؤمن وأسطع نور نشهد به أمام العالم للرجاء الذي فينا. لذا نحن مدعوون اليوم عند خروجنا من كل ذبيحة إلهيّة إلى أن نسأل ذواتنا عمّا هو الشيئ الذي تبدّل في قلوبنا وضمائرنا وهل أصبح لنا القدرة على عيش الحب والغفران اللذين ندرك من خلالهما بأننا نسير نحو ملكوت الله، حيث تصبح قداستنا باشتراكنا في قداسته عبر مسامحتنا للقريب. يدخل الله إلى حياتنا من خلال قلوبنا ويستطيع أن ينشر سلامه في نفوسنا.

يتحقق هذا الإتحاد عند تناولنا جسده ودمه المحيي حيث ندرك على وجه أكمل كيف ان الله يعمل في تحويل حياتنا وشخصياتنا وتاريخنا إلى تاريخ الحب الذي يتجدّد كل مرة بعد ارتكاب كل خطيئة، إلى أن يستريح وجودنا في قلب الله. فهذا الصفح هو الثوب الذي يجب أن نرتديه قبل أن ندخل إلى الأسرار وخاصة إلى الإفخارستيا. لذا فالغفران هو ليس غفران الحسابات البشرية إذ يقول النبي أشعيا:” لقد وضعت خطاياك وراء ظهري فلا أعود أذكرها”.

ان كل ما كُتب عن سر الحب هذا والذي يدعونا اليه يسوع ان نثبت فيه:” اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ.أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا”(يوحنا4:15-6). لهذا قال يسوع:” أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ». «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»(يوحنا48:6-58).

 

الجمعة العظيمة                      

فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ

وَمَضَوْا بِهِ.فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا: «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ». فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ. فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: «لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ، بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ: أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ!».أَجَابَ بِيلاَطُسُ: «مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ». ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَلاً، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ». وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ».ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ. وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَوَّلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ، وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ، كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ، وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيباً”(يوحنا17:19-42).

يختلف الإنجيلي يوحنا بسرده الآم المسيح عن كل من الإنجيليين متى ومرقس ولوقا. يريد يوحنا أن نتجاوز ظاهر الأحداث لنكتشف من ورائها قصداً إلهياً، ألا وهو اطلاعنا على مجد المسيح في الهوان. فالآلام بالنسبة ليوحنا هي ساعة المجد إذ يتعرّف فيها الإنسان على ذاك الإله الذي يبحث عنه منذ الفردوس المفقود.

لذا علينا أن نتتلمذ للتلميذ الذي أحبه يسوع ونقرأ معه رواية الالام فيكتشف كل منّا ذاك الإله الذي يهب حياته بحرية مطلقة دون أن ينتزعها منه أحد. هذا الملك الحقيقي الذي يجمع البشر في الحق ويحكم العالم بطريقة الله، طريقة الحب والعطاء بلا حدود. لذلك يبيّن لنا الإنجيلي يوحنا في هذا النص أربعة مشاهد من رواية الآلام وهي: اللوحة والقميص وعطيّة أمّه مريم ليوحنا وتسليم الروح.

“هناك عند صليب يسوع وقفت أمه” يبيّن لنا الإنجيلي يوحنا  ان يسوع الذي هو على الصليب هو حمل الفصح الجديد الذي بموته وقيامته تتحقّق الحياة. نرى في المشهد الأول: اللوحة التي كُتب عليها اسم المحكوم عليه وسبب عقابه:”يسوع الناصري ملك اليهود”. إنها طريقة تُظهر إعلان الهوان والمُلك في آن واحد. إنه من الناصرة وهو ملك الدهور وفي هذا يبرز طابع موته الشمولي. لقد اعترض رؤساء الأحبار على هذه الكتابة التي كُتبت”بالعبرية واللاتينية واليونانية” وهي لغات الدين والسياسة التي كانت مستعملة في تلك الحقبة من التاريخ ولكن دون جدوى. لقد اعترف الوثنيون بمُلك يسوع ورفضه اليهود. لذلك صرّح بيلاطس قائلاً:”ما كُتب قد كُتب”.

ثمّ نرى في المشهد الثاني: إقتسام الثياب والإقتراع على القميص المخيط

الذي رأى فيها الإنجيلي يوحنا معنى خاصاً وهو إثبات وحدة البشر الذي يجمعهم يسوع في الكنيسة التي خرجت من جنبه المطعون بالحربة. ثم هناك التمزّق والإنقسام بسببه وإعادة اللحمة والوحدة في شخصه. لقد جاء يسوع ليعيد بناء وحدة كل الشعوب، لتصبح فيه الكنيسة واحدة. فلا يمكن الإنتماء إلى يسوع إلاّ في وحدة الحب والغفران.

وفي المشهد الثالث تتجلّى الوحدة بين الأم والابن. حيث يُنظر إلى المرأة من خلال دعوتها الأساسية بوصفها أم المعلّم والتلميذ. تلك التي تلد شعب المؤمنين الجديد. إنها الكنيسة في خصوبتها الشاملة التي لا تحلّ محلّ حواء أمّ الأحياء فقط، بل محلّ صهيون أُمّ الشعوب. ففيها وبها تتمّ الساعة التي تحدّث عنها يسوع في عرس قانا الجليل:”فقال يسوع لأمّه:” ما لي ولك يا امرآة؟ لم تأتِ ساعتي بعد”(يوحنا4:2). فهذه الساعة هي ساعة الزفاف الحقيقي، عرس الصليب، الذي أتمّ فيه يسوع الشريعة العاجزة عن إعطاء الحياة ووهب العالم خمرة الفرح الذي هو جسده ودمه لأجل حياة العالم أجمع. وبعد أن أعطته مريم جسده تشترك معه في هذه الولادة الجديدة بوقوفها أمام ابنها المسمّر على الصليب.

لقد قبلت مريم، أُمّ الكلمة المتجسّد، التي أعطت ذاتها لله أن تتبنّى أولئك الذين جاء يسوع في الجسد من أجلهم وأصبحوا تلاميذه. تمثّل مريم الزوجة والأم معاً الكنيسة، الشعب الجديد، التي تلد أبناءها في العالم كلّه. ان ظهور الكنيسة هذا في مريم هو الخلاص النهائي بإتمام الوعود جميعها وكل ما جاء في الكتب. فبعد أن تمّ كل هذا لم يبق للإنسان بعد أن أصبح تلميذاً إلاّ أن يستقبل في بيته تلك التي أُعطيت له أمّ ينبوع الحياة الجديدة. وهو بإيمانه بالمسيح يستقبل كنيسة المؤمنين الذي يعيش بينهم.

وفي المشهد الرابع صرخ يسوع “أنا عطشان”. ففي حوار يسوع مع السامرية عند بئر يعقوب طلب يسوع منها شيئاً مماثلاًً قائلاً لها:”أعطني لأشرب”، وبعد ذلك يقول لها:”لوكنت تعرفين عطية الله ومن هو الذي يقول لكِ:أسقني، لسألته أنت فأعطاك ماءً حياً… الماء الذي أعطيه أنا يصير فيه عين ماء يتفجّر حياة أبدية”(يوحنا10:4-14).

عبارة:”أنا عطشان” صرخة الشوق المتأجّج في قلب يسوع لتتميم مشيئة الآب حتى النهاية. وهكذا يصبح عطشه توقاً حارّاً للعودة إلى الآب والإتحاد به كما يردّد صاحب المزمور:”ظمئت نفسي إلى الله إلى الإله الحي متى آتي وأحضر أمام الله”(مزمور2:41).

يوجّهه يسوع هذا النداء الآن إلى كل إنسان قائلاً: “أسقني” ولكي يقوم الله الخالق بالعجائب المخصّصة للإنسان، فهو يطلب منه بأن ينقاد له ويلبّي دعوته له حيث ان عطش الله إلى الإنسان يقابله عطش الإنسان إلى الله الذي لم يفتأ يبحث طيلة حياته عن هذه الحقيقة المطلقة التي وحدها تستطيع أن تروي ظمأ الإنسانية المتعطشة إلى الله.

يردّد صاحب المزامير:”جعلوا في طعامي سمّاً وسقوني في عطشي خلاً”(مزمور22:29). ينظر شرّاح الكتاب المقدس إلى الخل نظرة إيجابية. فلقد ورد في سفر راعوت:”ولما كان وقت الأكل، قال لها بوعز: هلمّي إلى ههنا وكلي من الخبز واغمسي لقمتك في الخلّ”(را2/14). فالدعوة التي يوجهها بوعز إلى راعوت المؤابية”لتغمس لقمتها في الخلّ”هي دعوة إلى”مائدة إقامة عهد” ستتوج بزواج بوعز أحد أجداد السلالة الداودية من راعوت المؤابية. فيسوع الذي يتناول الإسفنجة المغمسة بالخل، يقيم العهد الأبدي بينه وبين أحبائه ويختمه بالموت على الصليب.

فبعد أن أطلق يسوع صرخته:”أنا عطشان” وضع الجنود” إسفنجة مبتلّة بالخل على ساق وزوفى وأدنوها إلى فمه”. كانت الزوفى تُستعمل لأغراض طقسية تطهيرية كرش دم الحملان والعجول والماء الطاهر(لاوي 14/3). إنطلاقاً من هذه المعطيات تضعنا كلمة زوفى في جو طقسي عند أقدام الصليب في حفل تكريس العهد الأبدي بين الله

وشعبه الجديد يوم ذبح الحمل الفصحي.

لقد تمّم يسوع مشيئة الآب على ما أنبأت به كل الكتب المقدسة وكانت ذروته الموت على الصليب. لذا يشدّد الإنجيلي يوحنا على أن يسوع شرب كأس المرارة حتى النفس الأخير:” لقد تمّ كل شيئ”.ان الذين يرافقون المنازعين  في اللحظات الأخيرة من حياتهم يعرفون حقّ المعرفة أن تسليم الروح يأتي قبل إنحناء الرأس. لكن الإنجيلي يوحنا يذكر ان يسوع:”حنى رأسه وأسلم الروح” وبهذا يشير إلى السيطرة على النفس التي يتميّز بها يسوع حتى النهاية في القيام برسالته الخلاصيّة. لذلك يؤكد لنا بأنه لا أحد يستطيع أن يأخذ حياته منه، بل هو يعطيها بملء حرّيته إذ صرّح قائلاً:”ما من أحد ينزعها منّي ولكنّي أبذلها برضاي”(يوحنا18:10).

لقد غدت الجلجلة إذاً مكاناً لتمجيد الآب لا بل مكاناً لعودة الابن إلى حضن الآب والإتحاد المطلق به.إننا نرى هذا الإتحاد المطلق بين الآب والابن متجلياً طيلة حياة يسوع العلنية. وقد وصل إلى كماله على الصليب حيث تجلّت ساعة المجد وساعة العودة إلى حضن الآب بعد تتميم مشيئته حتى النهاية. فالجلجة بحسب يوحنا ليست إنحداراً إلى الأعماق إنما إرتفاعاً نحو المجد، هي مكان عودة الابن وخاصته إلى حضن الآب:”وأنا إذا ما رُفعت من الأرض جذبت إليّ الناس أجمعين”(يوحنا32:12).

تتلاقى جميع الروحانيّات عند أقدام الصليب الذي كثيراً ما نخشى بأن نحمله. لقد شُقّت طرق عديدة على مر القرون لهداية الإنسان إلى الإتحاد بالله على أكمل وجه ممكن. فمنهم من يسير على الطريق التي سلكها الكثير من القديسين وهي طريق الصليب المقدّسة وهناك طرق أخرى تقود إلى اليأس والضياع والموت. فالمقياس الصائب والوحيد للأصالة الروحيّة في الحياة المسيحيّة هو طريق الصليب دون غيرها من الطرق. لذلك ان كل ما يهدي إلى الصليب هو مسيحي وكل ما يُزيل الصليب أو يدور حوله هو مزيّف ومُنتحل ويكون بعيداً كلّ البعد عن الإله الإنسان المتألم وعن وجوهر الحياة الروحيّة.

لا ترتكز الحياة المسيحيّة على الألم بل على الفرح الذي نعيشه حتى في وسط الآلام. فنحن مدعوون اليوم على مثال ما عمله يسوع، بألاّ نختار الألم وألاّ نقع في المازوشية، بل أن نختار الحبّ ومن يختار الحب يصيبه الألم في الصميم.

فمع الصليب نصل إلى قمّة الإختبار الروحي، إلى حيث وصل القديسون. فمن على صليب يسوع المتألم تجلّى مجد الله وفي يسوع الطريق نستدلّ على الطريق المؤدّية إلى الآب. فلا طريق أخرى غير التي اتّبعها يسوع، إنها طريق التخلّي الجذري عن الذات، إنها الطريق الصعبة التي تبدو لنا شاقة ومتعرجّة ونيرة بالوقت نفسه، لكنها تقودنا حتماً إلى سّر الحب وملء الحياة. فبتجسد يسوع وموته وقيامته لم يتبدّل ولم يتغير أي شيئ في العالم. فالأحداث المختلفة التي نعيشها في تاريخ حياتنا اليومي من غيرة وسخرية ومعاملة سيئة وكل ما نعانيه من الناس أو بسببهم من آلام عديدة واضطهاد وموت ذلك كلّه سوف يستمر إلى مالا نهاية ولكن سيتغير معناه مع الصليب ويؤول بنا إلى طريق الخلاص والقداسة. ففي الصليب يـتحوّل الشر إلى خير ويصبح وسيلةً نعلن عنها إلى من ننتمي والموت والألم اللذين نكرههما مسائر الناس لأنهما يبدوان وكأنهما يبيداننا من الوجود يصبحان مع المسيح أداة خلاص حيث يفتحان نفوسنا على ملء الحياة وسر الوجود. فشخص يسوع المتألم والمصلوب هو الذي يُعطي جميع ممارساتنا الروحيّة والمسيحيّة معنىً جديداً وخلاصيّاً.

وفي هذا الصدّد يردّد القديس بولس:”أتمُ في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة”(كولوسي24:1). لذا فكل ما يمر به المؤمن من آلام  وعذابات يحوّله الروح القدس إلى قوة خلاصية، إذ يوحّد المسيحي المؤمن بيسوع المسيح المتألم والمصلوب والقائم من الموت. لذلك فالآلام هي لنا فرصة خلاصيّة مدعوون إلى ننتهزها ليشترك كلّ منّا في فداء نفسه والكنيسة والعالم.

يقول في هذا الصدّد بولس الرسول:”أرى أنّ آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلّى فينا”(رومية18:8). نرغب كلّنا في حياتنا المسيحية أن نسلك طريق القداسة، ولكن كثيراً ما نخشى بأن نحمل الصليب، لأننا نريد بأن نقدّس نفوسنا بدون أن نتألم. لذا ردّد كتاب الإقتداء بالمسيح:”كثيرون يتبعون يسوع إلى كسر الخبز، أمّا تابعوه إلى شُرب كأس الآلام فقليلون”. فحمل الصليب بصبر ومحبة وفرح يؤول بنا وحده إلى القداسة.

نأتي كلّنا يوم الجمعة العظيمة إلى الكنيسة لنحتفل بدفن المسيح وكثيراً ما نذرف الدموع، وبسبب جهلنا للكتب المقدسة ولجوهر حياتنا الروحية، نشارك في رتبة دفن المسيح دون أن نحتفل بقيامته يوم أحد القيامة. يتبادر إلى ذهننا كأن يسوع هو بحاجة إلى من يذرف عليه الدموع، دون أن ندرك عظمة الذبيحة الإلهية التي يتمحور حولها جوهر الحياة المسيحية. فإذا كنا نحتفل يوم الجمعة العظيمة برتبة دفن المسيح، فالبذبيحة الإلهية أي بكّل قداس نشارك فيه فعلياً نحتفل بيسوع المائت

والقائم من القبر.

لذا لا يريدنا يسوع بأن نذرف الدموع على جسامة آلامه بل على جسامة خطايانا.هذا ما ردّده عندما كان يسوع حاملاً صليبه:” وتبعه جمعٌ كثير من الشعب، ومن نساءٍ كُنّ يضربن الصدور ويُنحن عليه. فالتفت يسوع إليهنّ فقال: يا بنات أورشليم لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسكُنّ وعلى أولادكنّ”(لوقا27:23-28). هذا ما يريد أن يدعوون إليه يسوع اليوم بأن نذرف الدموع على خطيئتنا ونسلك طريق التوبة والصليب والفرح.

 

السبت المقدس

الحياة في ايجاز

يجدر بالمؤمن أن يحيا حياة الانتظار والشوق والتطلع إلى مجيء

الرب. هذا هو الرجاء المبارك. ومن الملاحظ أن مجيء الرب في الكتاب المقدس دائماً يرتبط بنصائح وفوائد عملية.

فهو لم يُعلن لنا لنفتخر بمعلوماتنا أو لكي تحدث بيننا مجادلات وانقسامات بخصوص تفاصيل هذا الموضوع المهم، بل لتعزيتنا وتشجيعنا على حياة البر وخدمة الرب. ولا أشك في أن بعض المؤمنين في عصور سابقة لم تتوافر لديهم الدراية التي عند كثيرين الآن المتعلّقة بمجيء الرب. ولكن كانت قلوبهم تشتاق لرؤيا الرب وكانوا يعيشون في انتظار مجيئه. وسأذكر الآن بعض المناسبات التي يُذكر فيها مجيء الرب سواءً للاختطاف كما جاء في 1تسالونيكي 13:4-18، أو ظهوره علناً حين سيأتي ثانية إلى هذه الأرض كملك الملوك ورب الأرباب.

إذا ما راجعنا هذه الآيات ونتأمل فيها:

1- “«لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا”(يوحنا 1:14-3)- إن هذا الوعد “آتي أيضاً وآخذكم إليَّ” يطمئننا لكي لا تضطرب قلوبنا، ويفرحنا لأنه “حيث يكون هو سنكون نحن أيضاً”.. اطمئنان وفرح!

2-“هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ».«أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟» أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ”(1كورنثوس 51:15-58) – هدف هذا الوعد بقيامة الأموات عديمي فساد، وتغيير أجساد الأحياء الباقين إلى مجيء الرب هو لكي تفيض قلوبنا بالشكر والحمد لله، قائلين: “أين شوكتك يا موت. أين غلبتكِ يا هاوية.. شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح”، ولكي يحرضنا على أن نكون “راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين”.

3-“ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ(1تسالونيكي 13:4-18) – في هذه الآيات ما يعزينا لكي “لا نحزن كالباقين الذين لا رجاء لهم” بل نعزي بعضنا بعضاً بهذا الرجاء. وكم مرة اقتبسنا هذه الآيات المشجعة والمعزية لفائدة المؤمنين الحزانى بسبب فراق أحبائهم المؤمنين. كما أن هذا الرجاء يملأ قلوبنا بالفرح لأننا “سنكون كل حين مع الرب”.

4- “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِر(1يوحنا 2:3-3). في هذه الآية تحريض لحياة القداسة والطهارة لأنه “متى أُظهر المسيح سنكون مثله لأننا سنراه كما هو، وكل من عنده هذا الرجاء به (أي بالمسيح) يطهر نفسه كما هو طاهر”.

5- “إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ، مَتَى جَاءَ لِيَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ وَيُتَعَجَّبَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ. لأَنَّ شَهَادَتَنَا عِنْدَكُمْ صُدِّقَتْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ”(2تسالونيكي 6:1-10) هذه الآيات تعلمنا أنه عند استعلان يسوع المسيح، أي ظهوره علناً حين يأتي ثانية إلى هذه الأرض بمجد عظيم، سيُهلك الذين يضطهدون المؤمنين. وأما المؤمنون فسيعطيهم راحة “متى جاء ليتمجد في قديسيه، ويُتعجَّب منه في جميع المؤمنين”.. بذلك يشجع المؤمنين على احتمال الاضطهاد.

وفي آخر فصل في الكتاب المقدس أي رؤيا 22، يقول الرب ثلاثة مرات: “أنا آتي سريعاً”، وفي كل مرة يذكر ناحية عملية تتعلق بمجيئه ثانية. فيقول في عدد 7: “ها أنا آتي سريعاً، طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب”، وبذلك يوجه أنظارنا إلى أهمية معرفة خطته الإلهية وحفظ كلامه. وفي عدد 12 يقول: “ها أنا آتي سريعاً وأجرتي معي”، وبذلك يشجعنا على الخدمة والعمل الصالح. وأخيراً في عدد 20 يقول: “أنا آتي سريعاً” ليكون لهذا صدى في قلوبنا فنقول بشوق: “آمين تعال أيها الرب يسوع”.

فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ. لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ. لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ. أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرَّ بِهِ

نَفْسِي»(عبرانيين35:10-38).

ثانياً: ونحن ننتظر مجيئه يجب أن ننشغل بخدمته فالذي قال: “أنا آتي سريعاً”، قال أيضاً: “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل

للخليقة كلها” (مرقس 15:16). فانتظار مجيء الرب لا يعني الكسل، بل يلهب في قلوبنا الرغبة في خدمة الرب. في مثل الوزنات في لوقا 11:19-13)، قال السيد لعبيده: “تاجروا حتى آتي”، فنحن ننتظر مجيئه، وفي نفس الوقت ننشغل بخدمته، وهذا امتياز ثمين لنا.

ولكن لكي نعرف مجال الخدمة الذي يريده الرب لنا، علينا أن نكون في شركة معه، لأنه قال لنا: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً” (يوحنا 5:15). إذاً علينا أن نثبت فيه كما يثبت الغصن في الكرمة، وأن نواظب على الصلاة ودراسة كلمة الله والتغذي بها.. هذا هو ما اتّصف به خدام الرب في جميع الأجيال. فالمسيح هو الذي يفتح لنا مجال الخدمة. ولكننا نحتاج إلى بصيرة روحية لكي نرى الباب الذي يفتحه لنا الرب. وهذه البصيرة الروحية تنتج عن الشركة معه.

وهناك شرط آخر لخدمة الرب، وهو حياة القداسة. إن الرب في نعمته قد يستخدم أصغر إناء وأضعف إناء، لكنه لا يستخدم إناء غير نظيف. لذلك يقول بولس لتلميذه تيموثاوس: “فإن طهَّر أحد نفسه من هذه، يكون إناء للكرامة مقدساً نافعاً للسيد مستعداً لكل عمل صالح” (2تيموثاس 21:2). فكما أن الرجاء المبارك يطهرنا كذلك من يريد أن يخدم الرب عليه أن يتطهر لكي يكون إناء مقدساً، أي مخصصاً لخدمة الرب.

وبما أن مجيء الرب قد يتم في أي لحظة، علينا أن نكون “مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة” (أفسس 16:5)، أي إنها غير مضمونة. وهذا هو ما عبَّر عنه سليمان في سفر الجامعة 1:12 “أذكر خالقك في أيام شبابك قبل أن تأتي أيام الشر” (أي الأيام التي فيها لن نستطيع القيام بما نريده في خدمة الرب، وخصوصاً عندما يصيبنا الضعف وتؤثر علينا الشيخوخة). لذلك علينا أن ننهض ونكون غير متكاسلين، بل مكثرين في عمل الرب كل حين. ومهما كانت قدرتنا ضئيلة ومواهبنا قليلة، فلنتذكر أن “كأس ماء بارد… لا يضيع أجره” (متى 42:10).

أنه على المؤمن أن يكون دائماً متيقظاً، فيراجع الماضي ليتذكر عناية الرب به وليتعلم دروساً نافعة من معاملات الرب معه. وعليه أن يفحص نفسه بأمانة وإخلاص في ضوء كلمة الله وبروح الصلاة، وأن يطلب من الرب أن يفحصه واثقاً في وعد الرب “أعلِّمك وأرشدك الطريق التي تسلكها. أنصحك، عيني عليك” (مزمور 8:32). عليه أن يحيا حياة الانتظار لمجيء الرب بشوق قلبي قائلاً: “آمين. تعال أيها الرب يسوع”،

بينما ينتهز كل فرصة لخدمة الرب. هذه هي الحياة المباركة حقاً!

فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ بَغْتَةً. لأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلاً لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ابْنِ الإِنْسَانِ

 

أحد القيامة المجيدة

إن حدَث قيامة الرب يسوع هو العنصر الأساسي للبشارة المسيحية وهو الحدَث الأساسي في الإيمان المسيحي “فإن كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وإيمانكم أيضا باطل” (1كورنثوس 15: 14).

إن أجمل وأشمل عظة عن القيامة من بين الأموات، هي عظة بولس الرسول في الفصل الخامس عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنتس (1كور 15)، حيث يعلن القديس بولس “أن المسيح قد قام من بين الأموات وهو بكرُ الذين ماتوا”، هو المحرِّر من “الخطايا”، هو “رجاؤنا” وهو الذي يبيد آخر عدوٍّ له أي الموت. فقيامة المسيح أخرجت الإنسان من قفصه الجسدي لتخرجه إلى الحياة الأبدية: “يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد. يكون زرع الجسم بهوان والقيامة بمجد. يكون زرع

الجسم بضعف والقيامة بقوة. يُزرع جسم بشري فيقوم جسماً روحيّاً”،

و”على مثال السماوي يكون السماويون”.

ولما مضى السبت، اشترت النسوة حنوطاً ليطيّبن جسد المصلوب. أي سبت هو؟ هو ذاك السبت الذي ربّه هو ابن الإنسان (مر2: 28). هو السبت الذي ارتاح فيه الله بعد إتمامه خلقه: “فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا” (تك 2: 1 – 3)؛ والسبت أيضاً هو اليوم الذي فيه أنهى يسوع مسيرة تجسده والغاية التي تجسد من أجلها: “لقد تم” (يو19: 30). إنما أيضاً هو السبت الذي ارتاح فيه الصالبون من إتمام حقدهم، وربما هو يوم بكاءٍ لهم بدل الراحة بعد إتمامهم عملَتهم، كما كانت حالة يهوذا بعد إتمامه فعلته لأنه عرف أنه أسلم إنساناً بريئاً. أفلم تكن برارة يسوع واضحة للصالبين؟ أفلم يكن حكمهم عليه مبنياً على شهادات زور (مرقس 14: 56 – 60)؟ خصوصاً وأن موت يسوع كان كالصاعقة: “فانشق حجاب المَقدِس شطرين”، وأنه بعد ذلك اعترف قائد المئة بهوية يسوع الحقيقية: “كان هذا الرجل ابنَ الله حقاً” (مرقس15: 37 – 39). هذا “السبت” هو أيضاً يوم فرح للمائتين، نسل آدم وحواء، لأن الحياة دخلت مثوى الأموات، فانبعث الأموات من القبور.

و”في صباحِ يومِ الأحدِ، عِندَ طُلوعِ الشَّمسِ” خرج الخبر إلى العلن “ما هو هنا، بل قام”. فالشمس التي أظلمت يوم الجمعة وبخلاف العادة، أي عند الساعة الثالثة، (مرقس15: 33)، أشرقت وبشكل طبيعي يوم الأحد، فكان غروب عالم وصباح خليقة جديدة (مرقس1: 32).

إن خبر موت وقيامة الرب يسوع يتردَّدُ في كافة كتب العهد الجديد، والرسل الأولون – بتوافق جميع دارسي الكتاب المقدس – مقتنعون كامل الإقتناع بأنهم رأو يسوع القائم من الموت، وهو قد تراءى لهم (مرقس16: 9 – 14؛ متى 28؛ لوقا 24؛ يوحنا 20 و21)، حتى أن بولس الرسول، بعد سرده مجمل ترائيات يسوع، يُعلن أنه هو نفسه رأى يسوع: “قُبر وقام في اليوم الثالث.. وأنه تراءى لصخر (بطرس) فالإثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسمائة أخ… ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع الرسل، حتى تراءى آخر الأمر لي أيضاً أنا السقط” (1كورنثوس15: 4 – 8). من المُلفت أن يُعلن بولس أن يسوع تراءى لأكثر من خمسمئة أخ. فيسوع بقي حاضراً بعد موته كما كان قبله، إنما بجسد ممجَّد مؤهَّلٍ للعبور من هذا العالم إلى الآب: “غاب عنهما” و “يقوم بينهم” (لو24)، وهذا الجسد موسومٌ بجروحات الصليب: “وأراهم يديه وجنبه ففرِح التلاميذ لمشاهدتهم الرب” (يوحنا20: 20).

نعم، على يد موسى خلَّص الله شعبه من عبوديته، فأخرجه من مصرَ، وسار معه في الصّحراء، وأقام معه العهد في سيناء. لقد ناضل موسى من أجل تحرير شعبهِ، واحتفل الشعب بعيدِ الفصح كعلامةٍ لتحرّره، وعبَر البحر الأحمر إلى أرض الحرّية. لقد بشَّر الله الشّعب بالخلاص الذي يُعِدُّهُ له. فقد جاء المخلّصُ (موسى) وهو سينجو من الموت بطريقة عجيبة في طفولته، وهكذا سينجّي أبناءَ شعبهِ بطريقة عجيبة.

فهذا الإله المخلِّص لشعبه عبر التاريخ وبطرق ومواقع متعدِّدة، تمَّم خلاصه للإنسان، وبشكل فريد ونهائي، بقيامة ابنه الوحيد يسوع المسيح.

ان الـمسيح بقيامتـه لـم ينتصر على كل أعدائـي فحسب، لكنه أيضاً أعطانـي حياة النصرة والغلبـة التى أحيا بهـا فى حياتـي على الأرض، والحيـاة التى أعطاهـا لـي هى حياتـه هو التى تحيـا فـيّ “فأحيـا لا أنـا بل الـمسيح يحيـا فـيّ”. وحياة الـمسيح التى انتصرت فى القيامـة هـى نفس حياتـه التى تنتصر فـيّ وتنصرنـي على الخطيـّة والشيطان والعالـم والـموت والهاويـة وكل قوات الشر. ألا يـا حياة القيـامـة الـمنتصرة أشرقـي

على حياتنـا حتى نعيّد عيد النصرة الدائـمة، فليس فى الوجود ما يهزمنـا

أو يخيفنـا. قُـم وإنتصـر بقوتـه على كل أعدائك لأنـه قام وأقامـك معـه.

قـم وإنتصر وإمتلئ من روح الرجـاء لأن مسيحنـا الحي سيأتـي ويديـن العالـم ويـملك على العالـم ونحن نـملك معـه.

صلاة:

يا يسوع، أنا أؤمن بأنه بقوتك وحدك قد قمت من الموت بنصر مجيد كما وعدت. أسألك ان يكون هذا السر العجيب سبباً في تقوية رجاءي في حياة اخرى افضل فيما بعد الموت ولقيامة جسدي في اليوم الأخير لسعادة أبديـة. أرجوك يا سيدي أن تقيمني في المجد بقوة قيامتك المجيدة، وأن تجعل جسدي مماثلاً كجسدك في مجده، وان تمنحني الدخول للسماء وللحيـاة معك في الأبديـة. أنا أؤمن بأن قيامتك يا يسوع هي أكليل وتمجيد لحياتك وعملك على الأرض كابن الإنسان كما طلبتها من الأب السماوي في صلاتك الشفاعية الأخيرة.

أن قيامتك هي بداية الحياة المجيدة كإبن الله وهي أيضا اكليل لحياتِك المتألـمة التى عشتها على الأرض.

يا يسوع، يا ملكي وربّي القائم من الموت، ها أنا أكرّم وأقدس بشريتك

المقدسة تلك التي نالت الملكوت الأبدي والتمجيد والقوة والفرح، وها أنا

أفرح معك يا سيدي ومجدي وأبديتي وكل قوتي.

باستحقاقات سر قيامتك المجيدة أسألك ان تساعدني أن أقوم معك روحيا وأن أحيا حياة خالية من الخطيّة حتى أتمكن من أن أتمم مشيئة الله فى كل الأشياء، وأن أتحمّل الألم بكل صبر بمعونتك وبواسطة أسرار كنيستك المقدسة فتتقوي نفسي أكثر وأكثر وتتقدس بالنعمة التى هي الطريق الى الحياة الأبديـة في السماء، ولتكن مشيئتك يا الله دائما وابداً. آمين.

خاتمة: في نهاية رحلة التأملات هذه فلننصت لما يقوله الله لنا داخل قلوبنا ولنتحد مع يسوع اتحاداً وثيقاً ونثبت فيه وهنا ستكون صلاتنا هي مع يسوع وفي يسوع وبإسم يسوع المسيح. لتحقيق هذا الإتحاد مع يسوع علينا:

+ “فإثبتوا هكذا في الرب” (فيلبي4: 1).

+ وقال الرب لنا: “اثبتوا في الإيمان (في الإيمان به)” (يوحنا15: 9).

+ وفي الثبات في تعاليمه “إن ثبتم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي” (يوحنا8: 30).

+ وفي الثبات في محبته “من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه” (1يوحنا4: 16).

+ وبمحبة الناس نثبت في الله “إن أحب بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا”

(1يوحنا4: 11).

+ والثبات فيه يكون عن طريق وسائط النعمة “من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فىَ، وأنا فيه” (يوحنا6: 56).

+ والثبات فيه أيضاً يكون بالسير حسب سلوكه (سلوك المسيح)، في التضحية والبذل، والمحبة، والرحمة، والإتضاع. “من قال إنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذاك، يسلك هو أيضاً” (1يوحنا2: 6).

+ وللثبات فيه ينبغي أن نشهد له “قد تثبتت فيكم شهادة المسيح” (1كورنثوس1: 6).

+ وللثبات علينا تسليم ارادتنا تماما مع إرادة الأب السماوي(لوقا46:23).