لمحة عن سيرة القديس اغناطيوس دي لويولا

لمحة عن سيرة القديس اغناطيوس دي لويولا

بقلم روبير شعيب

روما، الجمعة 31 يوليو 2009 (Zenit.org).

بمناسبة عيد القديس اغناطيوس، نقدم في سطور لمحة عن حياته مستوحاة بشكل خاص من المؤلف المعروف بـ “الذكريات الشخصية”، وهي آخر “مؤلف” للقديس وضع في ختام حياته نزولاً عند رغبة العديد من رفاقه، الذين خافوا أن يتركهم مؤسس الرهبنة اليسوعية، دون أن يترك لهم نصًا حميميًا يذكرهم ويكشف لهم سر الأنعام التي أفاضها الرب عليه.

ما يميز هذه السيرة الذاتية أن اغناطيوس لم يكتبها بل سردها شفويًا للويس غونسالفس دا كامرا، خلال نزهاتهما ما بين 1553 و 1555. وكان يدون في نقاط ما يسمعه من اغناطيوس وحالما كانا ينتهيا من النزهة، كان يختلي في غرفته لكي يتوسع في النقاط حتى لا ينسى شيئًا. وحفظ دا كامرا طريقة سرد اغناطيوس الذي كان يستعمل تواضعًا صيغة الغائب.

وتتميز السيرة أيضًا بأنها تسرد الخبرة الروحية العميقة واليومية العادية، ولا تتوقف على الأمور الفائقة التي تشكل للأسف قسمًا كبيرًا من الأدب السردي خصوصًا في سير القديسين، حيث يتم تقديم القديسين، ربما بسبب غيرة وحب فائض نحوهم، ككائنات خارقة الطبيعة، ظنًا من المؤلفين أن هذا الأمر يجعلهم محبوبين ومؤثرين أكثر، ولكن الحقيقة هي عكس ذلك: فغالبًا ما تؤدي هذه القصص إلى خلق هوة عميقة بين القارئ والقديس، إذ يبدو هذا الأخير نجمًا عاليًا ورحيقًا “لم يُكتب لنا نحن الأرضيين الحقيرين أن نتشبه به”!! وهذا هو نقيض ما تقصد به الكنيسة عندما تقدم لنا القديسين: الشفاعة والقدوة. الشفاعة هي صلاة القديسين معنا ومن أجلنا كوننا جميعًا في جماعة القديسين؛ والقدوة هي اتباع أمثال القديسين في حياتنا وقراراتنا، وهو الشكل الأفضل لتكريمهم حقًا.

النائبة الصائبة

ولكن فلنعد إلى مقصدنا، يبدأ اغناطيوس سرد حياته ملخصًا السنوات الست والعشرين الأولى بالقول: “حتى السادسة والعشرين من عمره، انهمك في أباطيل العالم؛ وكانت هوايته المفضلة الفنون الحربية، تدفعه إليها رغبة عظيمة وباطلة لاكتساب الشهرة”. وخلال معركة ضد الفرنسيين في بامبلونا، أصابته قذيفة في إحدى ساقيه فكسرتها وجرحت الأخرى، واستسلم رفاقه للفرنسيين فأسروهم، ولكنهم عاملوه “بجميع أنواع المجاملة والصداقة”. وساءت حال إينيغو (اسمه الحقيقي قبيل اختياره لاسم اغناطيوس نظرًا لتكريمه وإعجابه بالقديس اغناطيوس الأنطاكي الشهيد) الصحية وبعد عدة عمليات كانت صحته ضعيفة جدًا ولم يكن يقوى على النهوض فلازم الفراش.

إن اغناطيوس يبدأ السرد بهذا الخبر لأنه الحدث الذي وضعه أمام نفسه، فبعد أن كان تائهًا وراء أحلام العظمة البشرية، يحلم بخدمة البلاط الملكي، وبسيرة راقية فيه، أصيب إصابة صائبة حملته إلى الدخول إلى أعماق كيانه ليصغي لعطشه إلى المجد الحق لا الباطل والزائل. أصيب، وقرأ الإصابة كوسيلة في يد الله، لأنه بجرحه نال الشفاء من جرح أعمق، جرح العيش الباطل.

مدرسة التمييز الروحي

خلال فترة النقاهة الطويلة أراد إيجينو أن يملأ فراغ وقته بقراءة الكتب التي كانت مولعًا بها أي روايات الفروسية، ولكنهم لم يجدوا في البيت الذي كان فيه كتابًا واحدًا من الكتب التي كان يطالعها فأتوه بكتاب “حياة المسيح” للراهب الشرتوزي لودولف الساكسي وكتاب آخر عن سير القديسين للراهب الدوينيكي كاد دي فورجين.

ويخبر اغناطيوس في سيرته أنه كان “يكثر القراءة في هذه الكتب ويشعر ببعض الانجذاب إلى ما ترويه ( ذكريات شخصية، 6). وكان عندما يتوقف عن القراءة يفكر تارة بما قرأه وتارة بأمور العالم التي كان اعتاد أن يصب كل اهتمامه عليها.

وكانت مخيلته الخلاقة تحمله إلى قضاء الساعات في تخيل ما قد يكون في خدمة إحدى السيدات، والأشعار التي سينشدها. ومن ناحية أخرى كانت تخطر له أفكار لدى قراءته سير القديسين و “حياة المسيح”: “ماذا لو فعلت ما فعله القديس فرنسيس، أو ما فعله القديس عبد الأحد؟” (ذكريات شخصية، 7).

وبهذا الشكل كانت تتنواب في قلبه سلسلة من الخيالات تحمله تارة إلى التفكير بالاقتداء بالقديسين وطورًا إلى التفكير بالمجد العالمي والشهرة، وكانت هذه الأفكار جميعها تحمل إلى قلبه شعورًا باللذة عندما كان يفكر بها.

إلا أن اغناطيوس يوضح أنه كان هناك فرق: “ففي التفكير بأمور العالم كان يجد لذة عظيمة؛ فإذا تركها عن سأم، بقي يابس النفس وعديم الانبساط. وبالعكس، لدى تفكيره في الحج إلى أورشليم حافي القدمين، مكتفيًا بأكل الأعشاب وممارسًا سائر أنواع التقشف التي رأى القديسين يمارسونها، كان لا يجد انبساطًا فحسب، بل يستمر مرتاحًا ومسرورًا، حتى بعد تركه إياها” (ذكريات شخصية، 8).

وعليه، الفرق لم يكن خلال خبرات التخيل بل بعد ذلك، وبهذا الشكل بدأ ايجينو يفهم أن الثمار ودوامها هو دليل أولي على مصدر الأفكار، أو ما يسميه هو “الأرواح”. وهذا الأمر أدركه رويدًا رويدًا فبدأ يستنتج من خلال الأفكار التي تتركه حزينًا بعد مرورها، والأفكار التي تتركه فرحًا بعد عيشها، أن هناك “أرواح مختلفة تحركنا”: روح الشيطان وروح الله.

وبدأ اغناطيوس في تلك الفترة مسيرة توبته الشخصية، منطلقًا من إدراك عطش قلبه الحق، والإصغاء لهذا العطش حمله إلى التخلي رويدًا رويدًا عن الأحلام الباطلة، والتمسك بالرغبات العميقة في قلبه: رغبة القداسة والاقتداء بالقديسين. ونضجت في قلب اغناطيوس الرغبة بالتكرس لخدمة الرب، وقرر أن يحج إلى أورشليم بعد شفائه، مزمعًا بعد عودته أن يعتزل في دير للشرتوزيين بأشبيليا.

حياتي لحظة

وبعد شفائه بدأ مسيرته قاصدًا أورشليم، وتوقف ليلة في مونسراتا، وقضى الليل في الصلاة وقرر أن يخلع ملابسه العادية ليرتدي أسلحة يسوع المسيح مكرسًا نفسه كفارس للمسيح، ومن ثم وصل إلى مانريسا، حيث أقام يستعطي كل يوم ولا يأكل لحمًا ولا يشرب خمرًا، ويعيش سيرة تقشف كبيرة. وهناك راودته فكرة لازمته وأزعجته مصورة له مشقة العيشة التي اختارها كأن قائلاً يقول له في أعماق كيانه: “كيف ستستطيع احتمال هذه العيشة طوال السنوات السبعين الباقية من عمرك؟”. وشعر اغناطيوس أن هذه الفكرة صادرة عن العدو فقال في قلبه: “أيها الشقي، هل في قدرتك أنت أن تعدني بساعة واحدة في الحياة؟”. تعلمنا خبرة اغناطيوس هذه حكمة روحية بالغة مارسها وعاشها آباء الصحراء، فكان أنطونيوس الكبير على سبيل المثال يقول: “عندما تستيقظ قل لنفسك، لن أبلغ المساء، وعند رقادك قل: لن أرى نور الفجر”. قد يرى أحد ما في هذا المبدأ موقفًا متشائمًا نحو الحياة، ولكن الحق هو عكس ذلك. فتوهمنا بأننا سنعيش طويلاً وكثيرًا يحرمنا من الانتباه الحق نحو أهمية اللحظة الحالية، بينما “فكرة الموت” المأخوذة لا كحد للحياة بل كحجر مقارنة، تساعدنا على إدراك قيمة الزمان. بهذا المعنى يقول المزمور 90: “علمنا أن نعد أيامنا، فنصل إلى حكمة القلب”، ويقول سفر ابن سيراخ: “اذكر أواخرك فلن تخطئ”.

الهيام بناسوت المسيح

وزاول اغناطيوس عيشة نسكية مديدة، فكان يقضي يوميًا سبع ساعات في التأمل وفي مانريسا كتب كتابه الشهير “الرياضات الروحية” وهي عبارة عن تدوين لخبرة الصلاة التي عاشها ليشرك بها الآخرين، الذين منذ ذلك الحين كانوا يعتبرونه قديسًا وكانوا يأتون إليه للمشورة. وتوالت الخبرات الصوفية، والرؤى. وتابع مسيرته إلى أورشليم مارًا بروما، ووصل إلى يافا عن طريق قبرص واتجه إلى أورشليم وزار الأماكن التي مشى، وعاش، وتألم ومات وقام فيها المسيح.

كان اغناطيوس مولعًا بحب ناسوت المسيح ويورد خبرًا يبين حبه الذي قد يبدو مبالغًا به، ولكنه بالحقيقة يعبر عن إيمان صلب في واقع التجسد، الذي ليس فكرة فلسفية تميز المسيحية بل واقعًا تاريخيًا واقع حب مجنون دفع الله إلى اعتناق ناسوتنا. يورد العدد 47 من الذكريات الشخصية زيارة اغناطيوس إلى الحجر الذي يقال أن ربنا انطلق منه إلى السماء في جبل الزيتون، وما زالت هناك آثار أقدامه على الحجار. ثم ذهب إلى بيت فاجي “وهناك تذكر أنه لم يفحص جيدًا من أية ناحية كانت قدما المسيح اليمنى واليسرى” فعاد لكي يفحص الموقع!

يشرح مترجمو الكتاب إلى العربية أن هذه التفاصيل ليست من باب التقوى فقط، بل إن المسيح قد أرسل تلاميذه قبل صعوده من بستان الزيتون (واغناطيوس يختم الرياضات الروحية بالإرسال – رياضات روحية عدد 312)، ولذا أراد أن يعرف اتجاه الإرسال، لأنه لم يكن يريد أن يبقى في أورشليم، وشاء أن يذهب إلى مكان آخر يخدم فيه النفوس.

بعد عودته من أورشليم قرر أن يدرس لأنه أدرك أنه يستطيع بهذا الشكل أن يساعد النفوس بشكل أفضل، ودرس الفلسفة واللاهوت في باريس التي أمّها “وحده سيرًا على الأقدام” ووصلها في فبراير 1528. وخلال فترة الدراسة كان يلقي الرياضات الروحية على العديد من الأشخاص، وخلال هذه الفترة بدأ يلتف حوله جمع من الرفاق، من بينهم فرنسيسكو كسافييروس وبدور فاقر اجتذبهما إلى خدمة الله معه بواسطة الرياضات الروحية، وقرروا أن يسموا أنفسهم “رفقة يسوع” (societas Jesu). وسيم اغناطيوس كاهنًا وكان يريد أن يحتفل بقداسه الأول بعد استعداد دام سنة كاملة في الأراضي المقدسة، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق رغبته فاحتفل بالقداس في روما، في بازيليك مريم الكبرى في كابيل تقوم شرق ما يقول التقليد أنه مذود بيت لحم. وبعد الكثير من المصاعب والاضطهادات قام البابا بالمصادقة على الرهبنة التي أسسها اغناطيوس، وقد كتب قوانينها فقط بعد إقامة القداس الإلهي اليومي، وعرض موضوع بحثه على الله، والتأمل به خلال وقت التأمل (راجع ذكريات شخصية، 101).

خاتمة

إن كتاب ذكريات اغناطيوس هو كتيب صغير، ونعرف القليل القليل مما عاشه اغناطيوس حقًا، وفي هذه السطور اليسيرة عرضنا لمحات قصيرة عن سيرة هذا القديس العظيم الذي ساهم حقًا بإعطاء المسيحية بشكل عام والكنيسة الكاثوليكية بشكل خاص مدرسة في الفكر من خلال رهبنته ومدرسة في القداسة من خلال رياضاته. ومن الطبيعي أن نعرف القليل عن القديسين، فسرهم هو حياتهم الخفية مع المسيح في الله، وقد قال بعدل الأب خوان بولانكو في سرده لموت القديس اغناطيوس: “كان يعتبر نفسه حقيرًا، ولأنه لم يكن يريد أن تضع الرهبانية ثقتها في أحد غير ربنا، فقد ترك هذا العالم كما يتركه عامة الناس. وربما نال من الله نعمة عدم ظهور أية علامة حسية عند موته، لأنه لم يكن يريد سوى تمجيده تعالى”.

ويضيف: “وهكذا كانت حياته، فقد اعتاد أن يخفي هبات الله السرية إلا بعضها التي كان يعزم على إظهارها لبنيان الآخرين”.

هلا أسهمت هذه المقالة بإيقاظ الرغبة عينها التي شعر بها اغناطيوس للاقتداء بالقديسين، فيكون لنا عيده مناسبة تطابق قصد الكنيسة في تكريم الأصفياء: أن نقتدي بهم لأنهم اقتدوا بيسوع المسيح، قدوس الله، فيكون وجودنا كما كان يردد اغناطيوس “لمجد الله الأعظم”.

نختم المقالة بصلاة كان اغناطيوس يرددها غالبًا:

“ربي تقبل ذاكرتي وعقلي وإرادتي. كل ما أملك هو منك، كل ما لدي هو منك. أنت أعطيتنيه وإليك أعيده ربي وأستودعه بين يديك، هبني حبك، هبني نعمتك القدوسة ففيهما غناي وليس لي من مطلب سواهما يا إلهي”.