رسالة البطريرك أنطونيوس نجيب لعيد الميلاد المجيد

باسم الآب والابن والروح القدس – إله واحد آمين

 

من الأنبا انطونيوس نجيب

بنعمة الله، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك وكاردينال الكنيسة الجامعة

إلى أخوتنا المطارنة، وإلى أبنائنا القمامصة والقسوس،

 والرهبان والراهبات والشمامسة،

وإلى جميع أبناء الكنيسة القبطية الكاثوليكية على أرض الوطن

وفي بلاد الانتشار

 

"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة"

 

ميلاد المسيح هو ميلاد السلام والمصالحة

 

يأتي عيد ميلاد يسوع المسيح حاملاً السلام الحقيقي الإلهي للبشرية، وتجسيداً حياً لمحبة الله للإنسان. أعلنت ليلة الميلاد رسالة السلام، في أنشودة الملائكة التي أحاطت بطفل المِذود، ولازال صداها يتردد في فضاء كل عصر ومكان، كما يتردد في ضمير كل إنسان: "المجد لله في الأعالي. وعلى الأرض السلام. وللناس المسرة" (لوقا 2: 14).

 

الاتحاد بالله مصدرُ السلام

 

يحدّثنا الكتاب المقدس في العهد القديم عن خَلق الإنسان، في تعبير بسيط وبصورة رائعة. تم الخَلق عن محبة الله الفائقة، وعن إرادته الإلهية السامية: "وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا، كمثالنا. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلق البشر، ذكرا وأنثى خلقهم. وباركهم…" (تكوين 1: 26-27). ويكمّل: "ونظر الله إلى كل ما صنعه، فرأى أنه هو حسن جداً" (تكوين 1: 32).

 

خلق الله الإنسان في حال من البرارة والنقاء، أهلاً ليشترك في السعادة الأبدية، كائناً عاقلاً حراً. سلّمه أمانة الحياة، وسلّطه على الأرض وجعل منه خليفة له (تكوين 1: 27، 29). عاش الإنسان في سلام حقيقي في حالة اتحادٍ بالخالق. فكرامة الإنسان وسلامه هما في اتحاده بالله، والطاعةِ له، والأمانةِ لشريعته. وللأسف خرج الإنسان عن هذه الطاعة، تمرّد على خالقه وكسر شريعته، وحدث السقوط العظيم، فشعر أنه عريان من النعمة، محروم من السلام، ممتلئ بالخوف والقلق. وفي البعد عن الله تبدأ مأساة الإنسان بفقدان السلام.

 

إن العالم اليوم جائع للسلام، ولن يجدَه إلا إذا رجع متحداً بالخالق، ممتلئاً بالإيمان والرجاء. لقد فقد آدمُ ونسله سلامَهم بالبُعد عن المصدر والمبدأ والغاية. ولأن الله محبةٌ مطلقة، فتح باب الرجاء لآدم ونسله بوعد إلهي صادق، بأن تتجسد هذه المحبة في مخلّص من نسل حواء، يسحق رأس الحية وشرورَها (تكوين 3: 5)، يعيد السلام ما بين السماء والأرض، تتحد فيه محبة الله ونورُه ولاهوته غيرُ المحدود، مع طبيعته الإنسانية الكاملة. وستكون رسالته أن يعيد الإنسان إلى حضن الله، إلى مكانته السامية، إلى المعنى الحقيقي لخَلقه وحياته على الأرض. ووُلد المسيح، الكلمةُ الإلهي، سلامُ الله للإنسان، ونورُ العالم. وكما يقول عنه القدّيس بولس في الرسالة إلى كنيسة فيليبي: "هو في صورة الله… أخلى ذاته، واتخذ صورة العبد، صار شبيها بالبشر، وظهر في صورة الإنسان" (رسالة فيلبي 2: 6-7).

 

سلام المسيح مصالحة مع الله

 

في أنشودة الملائكة تتضح رسالة المسيح: "وعلى الأرض السلام". يعلن بولس الرسول أن المسيح هو سلامنا، وأن إنجيله هو إنجيل السلام (أفسس 3: 14 ، 6: 15). إنه يخبر بالسلام ويبشر به، كما سبق وتنبأ أشعيا (52: 7). مع المسيح وُلد سلام إلهي جديد، هو سلام المصالحة مع الله. أساسه العمل بوصاياه، والإيمان بحضوره في أعماق ضمير الإنسان. إنه يزرع سلاماً في قلب كل إنسان.

 

هو الذي قال: "لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي أيضاً" (يوحنا 14: 1). وقال أيضا: "سلاما أترك لكم، وسلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا تفزع" (يوحنا 14: 27). وفي التطويبات, وهي شرعة العهد الجديد، يعلن: "هنيئا لصانعي السلام، لأنهم أبناءُ الله يُدعون" (متى 5: 9). فالسلام الإلهي يجعلنا أبناء الله وإخوة في الإنسانية.

 

وسلام المسيح مصالحة مع النفس

 

مِثال وتعاليم المسيح، كما تخبرنا عنها الأناجيل المقدّسة، هما دعوة لبناء ضمير نقي، ومدرسةٌ للضمير. إن السلام الذي نادي به المسيح يرتكز على سلام الإنسان الداخلي، وينبع من قلب طاهر، عامر بالمحبة. فقد أعاد المسيح للإنسان قيمته وكرامته التي فقدها ويفقدها بالإثم والمعصية. سعى دوماً إلى ملء القلوب بالسلام الإلهي. مِن أجل الإنسان وُلد وعاش، صنع المعجزات وغفر الخطايا، ووعد في صدق أنه يفتح باب السموات لكل منَ يعيش أمينا، ولكل مَن يرجع عن خطيئته ومعصيته بتوبة صادقة. صالح الإنسان مع الله، فوجد الإنسان السبيل للمصالحة مع نفسه. صار يقبل نفسه، لأنه يقبل إرادة الله فيه، عارفا أن الله دائما "يعمل كل شيء لخير الذين يحبّونه" (رومة 8: 28).

 

وسلام المسيح مصالحة لجميع الناس في المحبة والصفح

 

ميلاد المسيح نقطة انطلاق لتغيير جذري في العلاقات بين الناس. بمِثاله وأقواله علّمنا أن المحبة هي أساس التعامل الصحيح بين الناس، لأن الإنسان أخو الإنسان. ولما علّمنا الصلاة قال: "الله أبوكم يعرف ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه. فصلّوا أنتم هذه الصلاة: "أبانا الذي في السماوات" (متى 6: 9). وهنا أكّد المبدأ الأساسي: كلنا أبناء لله، إخوة في البشرية، مهما اختلف الدين أو الجنس أو اللون أو الثقافة أو الوطن. البشر جميعهم أبناء الله. ومن أجلهم جميعا جاء المسيح، ليمنحَهم السلام في المصالحة مع الله، ومع أنفسهم، ومع بعضهم البعض.

 

وعلّمنا المسيح أن المصالحة بين الناس تتطلب نبذ العنف، والصفحَ والمغفرة. قال: "لا تنتقموا ممن يسيء إليكم" (متى 5: 38)… "أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلي مبغضيكم. باركوا لاعنيكم. صلوا لأجل المسيئين إليكم" (لوقا 6: 27-28). علّمنا المسيح نعمة المغفرة، وبفدائه غفر هو أولا خطايانا وغسلنا من آثامنا، وفتح باب المغفرة للخطأة أجمعين. ودعانا أن نصلي للآب قائلين: "اغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن للمذنبين إلينا". وقال: "إن كنتم لا تغفرون للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم" (متى 6: 12و15). إن المصالحة في الصفح عطية إلهية، يهبها المسيح لمن يريد السلام الإلهي. وبذلك يلغي المسيح خوف الإنسان من أخيه الإنسان، ويؤسّس سلاماً إلهياً لم تعرفه البشرية من قبل، يشمل الجميع. فيوصينا بولس الرسول: "إتبعوا السلام مع جميع الناس" (عبرانيين 12: 14).

 

وسلام المسيح يتطلب العدل ومساعدة الفقراء والمحتاجين

 

لا يتحقّق السلام إلا إذا ساد العدل بين الناس. وفى يوم السلام العالمي، أول يناير 2002، حملت رسالة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني هذا العنوان: "لا سلام بدون عدل"، مؤكدة أن "العدل هو عِماد وأساس السلام الحقيقي". ومن متطلبات العدل أن ينال الفقراء والمحتاجون حقهم في العون والاهتمام. وعلّمنا المسيح، ملكُ السلام، أن ميزان الحُكم في الدينونة الأخيرة هو موقفنا من هؤلاء، وسمّاهم "إخوتَه الصغار": "كل ما عملتموه لواحد مِن إخوتي هؤلاء الصغار فلي عملتموه.. وكل ما لم تعملوه..، فلي لم تعملوه" (متى 25: 40 و 45).

 

نعم، سلام المسيح هبه إلهية، إلا أنه عمل دائم وجهاد لا ينقطع للخير والمحبة. فالسلام بين الناس وفي العالم لن يتحققَ دون مساهمة كل إنسان. لأن الذي يمتلك قلبا متفتحا لله، وإرادة عاملة للخير، يعطي ثمار الروح، ومنها "المحبةُ والفرح والسلام" (غلاطية 5: 22).

 

السلام في حياة الكنيسة الكاثوليكية اليوم

 

يشغل السلام الشخصي والاجتماعي والدولي اهتمام الكنيسة الكاثوليكية في كل زمان ومكان. وقد أفردت له مؤخَّرا مكانا خاصا واهتماما كبيرا. ففي مجمع أساقفة الشرق الأوسط، الذي انعقد في الفاتيكان في أكتوبر الماضي، وضمّ 350 عضوا، برئاسة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، درس المجمع القضايا الملّحة التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم، وأهمها السلام. وأكّد أن السلام هو ثمرة المحبة، والعدلِ والمساواة، واحترامِ كل إنسان، وأن كل مؤمن عليه رسالةُ العمل من أجل السلام، ونشر السلام.

 

وعلى المسيحيين في الشرق الوسط أن يثابروا علي حوار الحياة المثمر مع المسلمين. ولذلك فإنهم ينظرون إليهم نظرة تقدير ومحبة، رافضين كل أحكام سلبية مسَبَّقة ضدّهم. وإنهم مدعوّون إلي أن يكتشفوا معا القيم الدينية عند بعضهم البعض. وهكذا يقدّمون للعالم صورةً عن اللقاء الإيجابي، وعن التعاون المُثمر، بين مؤمني هاتين الديانتين، من خلال مناهضتهم المشتركة لكلّ أنواع الأصولية والعنف باسم الدين" (رقم 42).

 

وفي هذا التوجّه، أعلن قداسة البابا بنديكتوس 16 أن موضوع رسالته ليوم السلام، في أول يناير 2011 سيكون: "الحرية الدينية، طريق السلام".


خاتمة

 

نصلي في هذا المساء المبارك، متّحدين مع قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، وجميع أخوتنا البطاركة والأساقفة. نلتمس من الله تعالى أن يحفظ حياة رئيسنا المحبوب محمد حسني مبارك، وجميعَ معاونيه الكرام، وأن يؤيد ويبارك خطواته الجبارة من أجل تقدم الوطن العزيز وتحقيق رفاهيته، محامياً عن القيم الروحية والاجتماعية السامية. ونصلي أيضا من أجل كل القائمين بأمانة مسئولية الوطن، علي المستوى السياسي والشعبي والأمني. كما نهنيء الذين اختارهم الشعب نوّابا له، ونتمنى أن يكون هدفهم خدمة الوطنَ وأبنائَه، ليشرق عليه مستقبل واعدٌ بالمحبة والسلام، ويحفظَه الله مصر دائماً في خير وأمن، وأخوّة وحب وسلام. وليمنحْ الرب البلاد المتألمة في منطقتنا سلاماً واستقراراً، ولاسيما فلسطين والعراق ولبنان والسودان. وليغمر سلامُه الإلهي كل بلاد العالم، لتصير البشرية أسرة واحدة، تنشد مع ملائكة الميلاد "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام".